لندن: محمد الطورة
يحيى السعود… “أقعدي يا هند” من زمن الجرأة إلى زمن القعود والنوم
في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات وتشتدّ فيه الخطوب، يمرّ طيف الرجال الكبار في الذاكرة كأنهم لم يغيبوا، وكأن كلماتهم ما زالت حيّة تُدوّي في أروقة المجالس قبل أن تسكن في ضمائر الأوطان.
هنا، يستحضر الوجدان اسم النائب الراحل يحيى السعود، ذاك الصوت الذي لم يعرف المواربة، ولم يتقن إلا لغة الوضوح، فكان جريئًا حين صمت غيره، وصادحًا بالحق حين تراجع آخرون. لم تكن مواقفه مجرّد كلمات عابرة، أو وجوده في المجلس ديكوراً ؟ بل كانت مواقفة تُجسّد نبض الشارع وكرامة الأمة، وكان في دفاعه عن فلسطين والقدس شاهدًا على أن القضايا العادلة لا تموت ما دام لها رجال.
ففي لحظاتٍ فارقة من تاريخ الأوطان، لا تُقاس قيمة الرجال بمواقعهم، بل بمواقفهم، ولا تُخلّد أسماؤهم بكثرة الظهور، بل بصدق الكلمة حين تُقال في وجه الصمت. وهنا، يحضر اسم يحيى السعود، لا كذكرى، بل كمعيارٍ نفتقده كلما اشتدّت الأزمات وغابت الجرأة.
حين قال “أقعدي يا هند”، لم تكن عبارةً عابرة، بل كانت تجسيدًا لهيبة الموقف، وجرأة الكلمة، وقوة الحضور. لكنها اليوم تُستعاد بسؤالٍ موجع: ماذا لو كان السعود حاضرًا في زمنٍ قعد فيه البعض حين وجب الوقوف، ونام آخرون حين كانت الأمة بأمسّ الحاجة إلى اليقظة؟
في هذا الواقع المتقلّب، يقف الأردن كما عهدناه، ثابتًا في وجه التحديات، حاضرًا في ميادين المسؤولية، لم يتخلّ يومًا عن دوره القومي، لا في السلم ولا في الشدة. وإلى جانبه، تقف دول الخليج، التي لطالما كانت سندًا لأشقائها، تمدّ يد العون حين تضيق السبل، وتُثبت أن العروبة فعلٌ قبل أن تكون شعارًا.
لكن المشهد لا يكتمل دون الإشارة إلى ذلك الغياب المؤلم… غياب الموقف. دولٌ كان يُفترض بها أن تكون في الصف، اختارت القعود، بل واستسلمت لسباتٍ ثقيل، وكأن الخطر لا يعنيها، أو كأن المعركة لا تمسّ الجميع.
إن ما يواجهه الأردن ودول الخليج اليوم ليس اختبار قوةٍ فقط، بل اختبار ضمير. فإما أن تكون الأخوّة موقفًا يُترجم بالفعل، أو تبقى كلماتٍ تُردّدها المنابر دون أثر.
رحم الله يحيى السعود… فقد كان يقول ما يجب أن يُقال، في وقتٍ كثر فيه الصمت، ويقف حيث يجب أن يُوقف، في زمنٍ أصبح فيه القعود خيارًا، والنوم موقفًا.
ولعل الرسالة اليوم واضحة: لا وقت للقعود حين يكون الوقوف واجبًا، ولا مكان للنوم حين تكون يقظة الأمة على المحك.
وفي الختام… لا تقلق يا أسد المجلس.
فمهما طال الغياب، ومهما اشتد الظلام، سيأتي اليوم الذي تنهض فيه الأمة من سباتها، وتسير على النهج الذي آمنت به وسعيت لأجله.
لقد رحلتَ عنّا جسدًا… لكن أثرك باقٍ، وفكرك حيّ في القلوب والعقول.
نسأل الله أن يرحمك رحمةً واسعة، ويجعل ما قدمت في ميزان حسناتك، وأن يجزيك عنّا وعن الأمة خير الجزاء. 🤲
سنمضي على الطريق… وسنبقى أوفياء لما زرعت.

