لندن: محمد الطّورة
“رؤية من قلب الحدث… يكتبها مواطن يؤمن بأن الثقافة هي الوجه الأجمل للوطن.”
منذ سنوات، وأنا أتابع كل ما يهم وطني الأردن، حاضرًا حيث أستطيع الحضور، ومتابعًا بعين المحب عندما يحول الغياب دون ذلك. فالإيمان بأن الوطن يستحق أن نرصد إنجازاته، ونناقش قضاياه، ونحتفي بمحطاته المضيئة، هو ما يدفعني دائمًا إلى الكتابة. ومن بين تلك المحطات التي تستوقفني كل عام مهرجان جرش للثقافة والفنون، ذلك الحدث الذي لم يكن يومًا مجرد مهرجان فني، بل نافذة حضارية حملت اسم الأردن إلى العالم، وجمعت على أرضه المبدعين والمثقفين والفنانين من مختلف الدول. ومع احتفال المهرجان هذا العام بنسخته الأربعين، وجدت نفسي أعود إلى البدايات، وأقارن بين الأمس واليوم، لا بدافع الحنين إلى الماضي، وإنما بدافع الحرص على أن يبقى هذا الصرح الثقافي في المكانة التي يستحقها، وأن يواصل أداء رسالته بوصفه أحد أهم عناوين القوة الناعمة للأردن.
حين انطلقت أولى دورات مهرجان جرش للثقافة والفنون عام 1981، لم يكن الهدف إقامة مهرجان غنائي أو موسم فني عابر، بل كان مشروعًا ثقافيًا وطنيًا حمل رؤية جعلت من الأردن منارة للفكر والإبداع، ومن مدينة جرش الأثرية منصةً يلتقي فيها التاريخ بالحضارة، والفن بالهوية الوطنية.
جاءت فكرة المهرجان استجابة لرؤية ثقافية طموحة هدفت إلى تفعيل الحركة الثقافية والفنية في الأردن، واحتضان الإبداع الأردني والعربي والعالمي. وسرعان ما تحولت الفكرة إلى مشروع وطني تبنته جامعة اليرموك، وشُكلت لجنة ضمت نخبة من الأكاديميين والمثقفين، لتبدأ رحلة مهرجان أصبح لاحقًا أحد أبرز المهرجانات الثقافية والفنية في العالم العربي.
ولم يكن مهرجان جرش في بداياته مهرجانًا للغناء فقط، بل كان احتفالًا بالثقافة بكل أشكالها؛ مسرحًا، وشعرًا، وفنونًا تشكيلية، وحرفًا تقليدية، وفلكلورًا، وموسيقى، وسينما، وندوات فكرية، ليقدم صورة متكاملة عن الأردن بوصفه بلدًا يعتز بتاريخه، ويؤمن بأن الثقافة إحدى أدوات حضوره الحضاري.
وخلال سنوات قليلة، أصبح الوقوف على مسارح جرش حلمًا لكبار الفنانين العرب، وتعاقبت على خشباته أسماء صنعت ذاكرة الأغنية العربية، من فيروز، إلى محمد عبده، ووردة الجزائرية، وسميرة توفيق، إلى جانب مئات الشعراء والمسرحيين والموسيقيين والفرق الفنية العربية والعالمية، حتى غدا المهرجان موعدًا سنويًا ينتظره الجمهور والإعلام على حد سواء.
ولعل أكثر ما أعادني إلى تلك الصورة، حديث دار مؤخرًا مع قامة صحفية واعلامية أردنية كبيرة تعيش في المهجر واكبت مهرجان جرش منذ انطلاقته الأولى. لم تحدثني هذه الشخصية عن الحفلات أو النجوم، بل عن فلسفة العمل التي كانت تحكم المهرجان، وعن المكانة التي كان يحظى بها الإعلام والإعلاميين باعتبارهم شريكًا أساسيًا في نجاحه.
قال إن الإعلاميين كانوا يحظون باهتمام خاص في أعلى مستويات الرعاية الرسمية على مستوى الوطن، وكانت اللقاءات تُعقد معهم بصورة يومية لمناقشة مجريات الفعاليات، والاستماع إلى آرائهم وملاحظاتهم، في مشهد يعكس احترامًا لدور الإعلام وإيمانًا برسالته.
ولم يكن الاهتمام يتوقف عند حدود المؤتمرات الصحفية، بل كانت تُنظم لهم زيارات إلى المواقع الأثرية والتراثية، ويُصطحبون إلى الأماكن الشعبية والتراثية والقاعات التي تعبق بتاريخ الأردن، ليعيشوا التجربة الأردنية بكل تفاصيلها، فيغادروا وهم يحملون صورة وطن،لا صورة مهرجان فحسب.
تلك التفاصيل لم تكن ترفًا تنظيميًا، بل كانت جزءًا من فلسفة المهرجان، التي آمنت بأن النجاح لا يتحقق على خشبة المسرح فقط، بل في كل رسالة تصل إلى الضيف، وفي كل انطباع يرافقه بعد انتهاء الفعاليات.
واليوم، وبعد أن بلغ مهرجان جرش نسخته الأربعين، لا يزال يحتفظ بمكانته بوصفه أحد أهم المهرجانات الثقافية العربية، إلا أن المشهد لم يعد كما كان. فقد تراجع عدد الفنانين العرب والعالميين مقارنة بسنوات الازدهار، وانحسر حضور بعض الفعاليات الثقافية التي كانت تشكل جزءًا أصيلًا من هوية المهرجان، كما فرضت الظروف الاقتصادية، واشتداد المنافسة بين المهرجانات، والتحولات الرقمية، واقعًا جديدًا على المشهد الثقافي.
كل ذلك صحيح، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تغيرت الظروف فقط… أم تبدلت الأولويات؟
فالمهرجانات الكبرى لا تصنعها الميزانيات وحدها، ولا تقاس بعدد الحفلات أو أسماء الفنانين فقط، بل بما تمثله من رسالة وطنية، وبحجم الاهتمام الرسمي من أعلى المستويات الذي تحظى به، وبقدرتها على تقديم صورة مشرقة عن الوطن وثقافته وتراثه.
ولا شك أن إدارة مهرجان جرش والعاملين فيه يواصلون بذل جهود كبيرة للحفاظ على هذا الإرث الثقافي، رغم التحديات التي تواجه تنظيم المهرجانات في هذا العصر. غير أن مهرجانًا بحجم جرش يستحق أن يحظى بكل عناصر النجاح والدعم، لأنه لم يعد مجرد فعالية سنوية، بل أصبح جزءًا من ذاكرة الأردن الثقافية، وواجهة حضارية يعرفها العرب والعالم.
وفي النسخة الأربعين من مهرجان جرش، تبقى الأمنية أكبر من نجاح دورة جديدة؛ إنها أمنية بأن يستعيد المهرجان ذلك البريق الذي يستحقه، وأن يواصل أداء رسالته الثقافية بوصفه أحد أهم الواجهات الحضارية للأردن.
ومن هنا، فإنها دعوة صادقة إلى جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وجلالة الملكة رانيا العبدالله، لتشريف مهرجان جرش بالحضور في حفل افتتاحه في دوراته المقبلة. فمثل هذا الحضور لا يضيف بعدًا بروتوكوليًا فحسب، بل يمنح المهرجان زخمًا معنويًا وإعلاميًا كبيرًا، ويبعث برسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن الثقافة والفنون تحتلان مكانة راسخة في مسيرة الدولة الأردنية.
إن حضور جلالتيهما سيكون مصدر اعتزاز للمبدعين الأردنيين والعرب، وسيعزز من مكانة المهرجان على المستويين العربي والدولي، ويؤكد أن الأردن، بقيادته الهاشمية، يواصل دعمه للمشهد الثقافي والإبداعي باعتباره أحد أهم وجوه الوطن الحضارية.
فمهرجان جرش ليس مجرد موسم فني، بل هو رسالة وطن، وذاكرة أمة، ونافذة يطل منها الأردن على العالم. ومن حق هذا المهرجان العريق أن يحظى بكل ما يعزز حضوره ويعيد إليه الزخم الذي يليق باسمه وتاريخه، ليبقى منارة ثقافية تنتشر من الأردن إلى العالم العربي والعالم.
حفظ الله الأردن، وقيادته الهاشمية، وأدام على وطننا أمنه واستقراره، ليبقى مهرجان جرش عنوانًا للإبداع، وجسرًا يربط الأردن بثقافات العالم، كما كان دائمًا، وكما نأمل أن يبقى دائمًا.

