لندن: محمد الطّورة
رئيس دولة يصل إلى الأردن على متن رحلة تجارية عادية
خبرٌ عابر في ظاهره، لكنه مستفز في عمقه؛ أن يصل رئيس دولة مثل ألكسندر ستوب إلى الأردن ويغادره على متن رحلة تجارية عادية، يجلس بين الركاب دون ضجيج أو استعراض، وكأن الأمر لا يستحق كل هذا الاهتمام. لكن الحقيقة أن ما أثارني في هذا الخبر لم يكن وسيلة السفر بحد ذاتها، بل ما تحمله من دلالة أعمق على طبيعة العلاقة بين المسؤول ومواطنيه.
ففي اللحظة التي يمر فيها هذا المشهد كأمر طبيعي هناك، يتحول عندنا إلى حالة لافتة تستدعي التعليق والتأمل، وربما المقارنة أيضًا. ليس لأن الإمكانيات مختلفة بالضرورة، بل لأن الفكرة ذاتها مختلفة: فكرة أن المسؤول يمكن أن يكون جزءًا من الناس، لا كيانًا منفصلًا عنهم.
ومن واقع خبرتي المتواضعة في العمل العام، لم تكن المسألة مجرد ملاحظات عابرة بقدر ما كانت نمطًا متكررًا يكشف عن خلل أعمق في فهم معنى المسؤولية. فقد رأيت كيف يُعاد تشكيل صورة المسؤول لدى بعضنا بوصفه كيانًا منفصلًا عن الناس، لا يشبههم في تفاصيل حياته ولا يقترب من واقعهم، بل يحرص—بوعي أو بدونه—على تكريس هذه المسافة في كل مناسبة.
يبدأ ذلك من تفاصيل تبدو صغيرة لكنها محمّلة بالدلالات: الإقامة في أفخم الفنادق وكأنها ضرورة لا خيار، ارتداء أغلى العلامات التجارية بوصفها امتدادًا للمنصب، والسفر بطائرات خاصة أو في أعلى درجات الطيران التجاري باعتباره حقًا مكتسبًا لا يُناقش. وحتى في لحظة الوصول، حيث تتقاطع الطرق بين الناس جميعًا، يُعاد إنتاج هذا الفصل عبر مسارات خاصة وبوابات لا يمر منها سواهم، في مشهد يختصر فلسفة كاملة من الابتعاد عن العامة.
هذه المظاهر لا يمكن قراءتها فقط من زاوية الكلفة المالية—على فداحتها—في دول ترزح تحت وطأة الديون والأزمات الاقتصادية، بل يجب النظر إليها بوصفها انعكاسًا لثقافة ترى في المنصب امتيازًا لا تكليفًا، وفي السلطة مسافة لا مسؤولية.
وفي المقابل، نشاهد في أماكن أخرى من العالم نماذج مختلفة تمامًا، حيث يصل مسؤولون كبار إلى وجهاتهم على متن رحلات تجارية عادية، يجلسون بين الناس، ويسيرون في المسارات ذاتها دون حواجز مصطنعة. هناك، لا تُقاس هيبة المسؤول بحجم ما يحيط به من مظاهر، بل بمدى قربه من الناس وقدرته على تمثيلهم بصدق.
هنا يبرز السؤال الجوهري:
هل يمكن أن يقبل حتى أصغر مسؤول عربي، وهو في مهمة رسمية، أن يسافر كما يسافر أي مواطن؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في حقيقته يمس جوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين المنصب والخدمة العامة. فالتغيير لا يبدأ بقرارات كبرى فقط، بل بسلوكيات يومية تعيد تعريف هذه العلاقة، وتكسر الحواجز الوهمية التي تراكمت عبر الزمن.
الخاتمة:
ربما لا يكون المطلوب أن يتخلى المسؤول عن كل ما تفرضه طبيعة عمله من ترتيبات، لكن المؤكد أن إعادة التوازن بين “هيبة المنصب” و“تواضع الخدمة” باتت ضرورة لا رفاهية. فالدول التي تحترم شعوبها تُترجم هذا الاحترام في سلوك مسؤوليها قبل نصوص قوانينها. وعندها فقط، لن يبدو مشهد مسؤول يسافر كأي مواطن استثناءً يُروى، بل قاعدة تُحترم، ورسالة تُفهم دون حاجة إلى شرح.
ويبقى السؤال: هل يقبل أصغر مسؤول عربي السفر كأي مواطن؟

