العموم نيوز: أعادت حادثة رحلة فلاي دبي “إف زد 1073” فتح ملف حساس في أمن الطيران، بعدما جاء الخطر هذه المرة من داخل قمرة القيادة، وليس من راكب يحاول الوصول إليها.
وقال النائب العام الإماراتي إن مساعد قائد الطائرة استخدم فأس الطوارئ الموجودة في القمرة للاعتداء على القائد ومحاولة السيطرة على الطائرة، ووصف الواقعة بأنها شروع في تنفيذ “عملية إرهابية”، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة لكشف دوافع الحادث والصلات المرتبطة به.
وتتجاوز تداعيات الواقعة تفاصيل الرحلة، لتطرح تساؤلات بشأن فعالية إجراءات فحص الطيارين، ومتابعة أهليتهم، وقدرة منظومة أمن الطيران على التعامل مع خطر مصدره شخص يتمتع أصلا بوصول مشروع إلى قمرة القيادة وأدوات التحكم بالطائرة.
لماذا تحولت قمرة القيادة إلى حصن؟
قبل هجمات 11 سبتمبر 2001، كانت أبواب قمرة القيادة مصممة أساسا لتوفير الخصوصية وبيئة مناسبة لعمل الطيارين، ولم تكن معدة لتكون حاجزا أمنيا منيعا، وفقا لإدارة الطيران الفدرالية الأميركية.
وعقب الهجمات، شُددت معايير الأبواب والأقفال بهدف منع أو تأخير أي دخول غير مصرح به إلى القمرة.
لكن حادثة شركة “جيرمان وينغز” عام 2015 أظهرت خطرا من الاتجاه المعاكس، عندما بقي مساعد الطيار أندرياس لوبيتز بمفرده في قمرة القيادة ومنع قائد الطائرة من العودة إليها، قبل أن تتحطم الطائرة في جبال الألب الفرنسية، ما أدى إلى مقتل 150 شخصا.
وكشفت التحقيقات أن لوبيتز كان يعاني اكتئابا حادا وأخفى حالته عن جهة عمله، فيما لم يكشف أطباء راجعهم، بينهم طبيب منحه إجازة مرضية قبل الرحلة بيومين، عن حالته بسبب السرية الطبية.
وعقب الحادث، أوصت وكالة سلامة الطيران الأوروبية “إياسا” بوجود شخصين في قمرة القيادة بشكل دائم، قبل أن تعدل توصيتها في يوليو 2016، إلى نهج قائم على تقييم المخاطر، يشمل الفحص النفسي والأمني للطاقم وبرامج الدعم، مع اعتبار وجود شخصين في القمرة إحدى الوسائل الممكنة للحد من الخطر.
وفي 2018، اعتمد الاتحاد الأوروبي قواعد تشمل تقييما نفسيا للطيارين قبل بدء العمل، وبرامج لدعمهم وفحوصا للكحول.
أما حادثة فلاي دبي، فتطرح نوعا مختلفا من المخاطر، بعدما وصفتها النيابة الإماراتية بأنها شروع في تنفيذ “عمل إرهابي”، مع استمرار التحقيق في الدوافع والصلات المرتبطة بالواقعة. ويعيد ذلك النقاش إلى ما يعرف بـ”التهديد الداخلي” في أمن الطيران.
ما “التهديد الداخلي”؟
يقصد بالتهديد الداخلي الخطر الذي يأتي من شخص يعمل داخل المنظومة ويتمتع بوصول مشروع إلى مناطق أو معلومات أو أنظمة حساسة.
وطالما ركزت إجراءات أمن الطيران بدرجة أكبر على الركاب وأمتعتهم، فيما كان احتمال أن يأتي التهديد من طيار أو أحد أفراد الطاقم أقل حضورا في تصور المخاطر الأمنية.
وقال المسؤول في شركة “أوسبري فلايت سوليوشنز” ماثيو بوري، إن العاملين في قطاع الطيران يعرفون نقاط الضعف الأمنية ويمكنهم كسب ثقة القائمين على الأمن، ما قد يمنح صاحب النية السيئة من الداخل معرفة بمواطن الضعف وطرق استغلالها.
وتختلف خطورة هذا النوع من التهديد عن محاولة اقتحام قمرة القيادة من الخارج، لأن الشخص الموجود داخلها لا يحتاج إلى تجاوز الحواجز الأمنية للوصول إلى أدوات التحكم.
ماذا يشمل فحص الطيارين؟
لا يوجد فحص واحد يستطيع كشف جميع أشكال الخطر؛ فالصلاحية الطبية تختلف عن التقييم النفسي، وكلاهما يختلف عن الكفاءة المهنية أو فحص الخلفية الأمنية.
وتعرّف لوائح أمن الطيران الإماراتية فحص الخلفية بأنه التحقق من هوية الشخص وخبرته السابقة، بما في ذلك السجل الجنائي وأي معلومات أمنية أخرى ذات صلة بتقييم مدى ملاءمته.
كما تنص اللوائح على إعادة فحص فئات تتمتع بوصول غير مصحوب إلى المناطق الأمنية المقيدة أو إلى معلومات أمنية حساسة.
وقالت خبيرة شؤون الطيران سالي غاثين إن الحادثة تعيد طرح أسئلة بشأن إجراءات توظيف الطواقم وفحص خلفياتهم.
وبناء على المعلومات المتاحة عن مساعد الطيار، رأت غاثين أنه “لم يكن من المفترض أن يتم توظيفه في هذه الوظيفة”، ودعت إلى تدقيق مستمر يشمل الجوانب النفسية والسلوكية، إلى جانب الكفاءة الفنية.
وأوضحت أن معظم دول العالم تستند في معايير السلامة الجوية إلى البروتوكولات والمعايير التي تضعها منظمة الطيران المدني الدولي، مشيرة إلى أن دول المنطقة تطبق عادة إجراءات أمنية مرتفعة عند توظيف أفراد أطقم الطائرات.
وأفادت وكالة رويترز بأن إجراءات الفحص الإسرائيلية تفرض قيودا على بعض الطيارين القادمين من دول لا تقيم معها إسرائيل علاقات دبلوماسية، فيما قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد الحادث إن إجراءات فحص الطيارين القادمين إلى البلاد ستُراجع وتُشدد.
وفي هذا السياق، قالت غاثين إن الرحلات المتجهة إلى إسرائيل تخضع عادة لمستوى مرتفع من التدقيق، ورأت أن الحادثة تستدعي مراجعة آليات فحص الطواقم وتبادل المعلومات بين الجهات المعنية.
هل الحل في تشديد الفحوص؟
يرى محللون في أمن الطيران أن المشكلة قد تكمن في تطبيق الإجراءات القائمة أكثر من غيابها، محذرين من التسرع في إضافة قيود جديدة قبل التحقق من مدى تطبيق البروتوكولات المعمول بها.
وتتعامل منظومة أمن الطيران مع مستويات مختلفة من المخاطر: فأبواب قمرة القيادة مصممة للحد من خطر الاقتحام، والفحوص الطبية والنفسية تقيس جوانب من صلاحية الطيار، فيما يبحث التدقيق الأمني في خلفيته، بينما يفترض أن تسهم المتابعة المستمرة وتبادل المعلومات في كشف أي مخاطر تظهر بعد التوظيف.
وترى غاثين أن التدقيق في الطيارين ينبغي أن يكون مستمرا، وألا يقتصر على مهارات القيادة، بل يشمل الجوانب النفسية والسلوكية ومراجعة الخلفيات، بما يقلل احتمال تحول أي خلل فردي إلى خطر على سلامة الرحلة.
وتعيد حادثة فلاي دبي، في ضوء ما أعلنته النيابة الإماراتية، طرح السؤال الأوسع في أمن الطيران: كيف يمكن حماية الطائرة ليس فقط من خطر يحاول الدخول إلى قمرة القيادة، وإنما أيضا من خطر يأتي من شخص يملك بالفعل صلاحية الوصول إليها؟.