كتب المحرر
في الأردن، لا تُقاس المحبة بالكلمات وحدها، بل بالمواقف الإنسانية التي تكشف أصالة هذا الشعب، وتؤكد أن أبناءه أسرة واحدة، تجمعهم الأفراح، وتوحّدهم الأحزان، وتربط بينهم أواصر الأخوة والانتماء.
لقد عاشت الكرك، ومعها أهلنا في قرية حمود، وجعًا عميقًا إثر الفاجعة الأليمة التي فقدنا فيها أعزاء غالين على قلوبنا جميعًا، فكان الحزن أكبر من الكلمات، وكانت مشاعر الألم حاضرة في قلوب الأردنيين من شمال الوطن إلى جنوبه. وفي مثل هذه الظروف، تتجلى قيمة التكاتف، ويظهر المعدن الأصيل لشعب اعتاد أن يقف إلى جانب أبنائه في الشدائد، وأن يجعل من المحبة والتراحم عنوانًا لهويته الوطنية.
وبين مشاعر الحزن التي يعيشها الأردنيون، جاء إعلان الفنان الأردني إسماعيل حجازين عن مرضه، ليحرّك مشاعر المحبة والاهتمام تجاه فنان له مكانته الخاصة في قلوب الناس، فلطالما كان حاضرًا في بيوتهم، يرسم الابتسامة على وجوههم، ويحوّل المواقف اليومية إلى لوحات فكاهية تحمل رسائل اجتماعية هادفة، تصل إلى القلوب ببساطة وصدق.
إن إسماعيل حجازين ليس مجرد فنان أضحك الناس، بل هو أحد أولئك الذين أدركوا أن للفن رسالة، وأن الضحكة قد تحمل فكرة، وأن الكلمة حين تُقال بقالب فكاهي هادف يمكن أن تلامس هموم المجتمع وتعبر عن قضاياه. ولهذا بقيت صورته حاضرة في وجدان محبيه، وبقيت أعماله جزءًا من ذاكرة أردنية ارتبطت بالبساطة والعفوية والقدرة على صناعة الفرح.
وحين يتعرض أحد أبناء هذه الأسرة الأردنية لوعكة صحية، فإن الدعاء له بالشفاء يصبح تعبيرًا عن المحبة والوفاء، وتأكيدًا أن العلاقات الإنسانية الحقيقية لا تُبنى على المواقف العابرة وحدها، بل على ما يتركه الإنسان من أثر طيب في حياة الآخرين.
وقد جاءت مبادرة جلالة الملك عبدالله الثاني، بإيفاد مدير مكتبه للاطمئنان على صحة الفنان، لتجسد صورة مشرقة من صور القيادة القريبة من شعبها، وتؤكد أن الاهتمام بالإنسان هو جوهر المسؤولية، وأن الأردنيين، على اختلاف مواقعهم وأدوارهم، يجمعهم وطن واحد وبيت كبير.
إنها لفتة ملكية تحمل معنى يتجاوز السؤال عن الصحة؛ إنها رسالة محبة واهتمام، وصورة من صور الأردن الذي نعتز به، حيث تبقى الروابط الإنسانية حاضرة، وتظل مشاعر التضامن والتراحم جزءًا أصيلًا من العلاقة بين القيادة والشعب.
هذا هو الأردن الذي نعرفه ونريده؛ وطنًا يتسع للجميع، وتلتقي فيه القلوب عند الشدائد، فلا يطغى الحزن على المحبة، ولا يحجب الألم نور الإنسانية، ولا تنال الظروف من روابط الأخوة التي تجمع أبناءه.
ومن الكرك الحبيبة، ومن قرية حمود التي تعيش ألم الفقد، نرفع الدعاء إلى الله أن يتغمد أحباءنا الذين رحلوا بواسع رحمته، وأن يلهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان، وأن يشفى الجرحى والمصابين ويحفظ الأردن وأهله من كل سوء. كما نسأله سبحانه أن يمنّ على الفنان إسماعيل حجازين “سمعة” بالشفاء العاجل، وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية، ويعيده إلى محبيه ليواصل رسم البسمة على وجوه الأردنيين، كما اعتاد أن يفعل.
إن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تبنيها القيم التي يحملها أبناؤها، والمواقف التي يتبادلونها، والقدرة على الوقوف معًا حين تشتد المحن. والأردن، بما يحمله من إرث في الشهامة والنخوة والتكافل، يثبت مرة بعد أخرى أن قوته الحقيقية تكمن في وحدة شعبه، وفي إنسانيته، وفي إيمانه بأن الجميع يستحقون المحبة والاهتمام.
رحم الله أحباءنا الذين فقدناهم، وشفى الله إسماعيل حجازين، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وأدام على الأردن نعمة الأمن والاستقرار والتلاحم.
من وجع الكرك إلى دفء المحبة، تبقى حكاية الأردن أكبر من الألم، وأعمق من الظروف؛ حكاية شعب واحد، وقلب واحد، ووطن لا تزيده الشدائد إلا تمسكًا بأصالته وإنسانيته.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وأدام بين أبنائه المحبة والرحمة والوفاء.