من حقبة ليونيل ميسي الذهبية التي أسرت قلوب الملايين، إلى بزوغ نجم الموهبة لامين يامال، لم يكن انتشار برشلونة في العالم العربي مجرد صدفة، فما مفتاح قدرة برشلونة على التواصل الذكي مع الجماهير العربي؟
شهدت السعودية مساء الأحد (11 يناير/كانون الثاني 2026) مباراة تجاوزت كونها حدثا كرويا عابرا، لتتحول إلى مشهد احتفالي نابض بعشق المستديرة. لم يكن الجمهور على موعد مع “كلاسيكو” محلي، بل مع الكلاسيكو الإسباني الخالد الذي جمع ريال مدريد وبرشلونةالذي فاز للمرة الثانية تواليا بثلاثة أهداف مقابل هدفين ويتوج بلقب السوبر الإسباني، في مباراة استحوذ فيها البرشا على الكرة بنسبة 71 بالمائة من وقت المباراة.
وفي المدرجات، ارتدت الألوان الكتالونية حضورا طاغيا، حتى خُيل للناظر أن مدرجات الملعب قد استعارت روح “سبوتيفاي كامب نو” ونبضه.
ومنذ أن حطّت بطولة كأس السوبر الإسباني رحالها في السعودية، غدت مبارياتها النهائية مسرحا مفتوحا لأعظم مواجهات كرة القدم العالمية، تتقاطع فيها الحشود الغفيرة مع الأهداف الغزيرة، في مشهد يجمع بين الشغف والمتعة.
وبعيداً عن صخب ملعب “الإنماء” في جدة، امتد وهج برشلونة إلى الفضاء الرقمي، حيث اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بتفاعل لافت من عشاق النادي الكتالوني في العالم العربي، مؤكدة أن الحكاية تتجاوز تسعين دقيقة، لتغدو علاقة وجد وانتماء لكثير من الجمهور العربي.
حقبة اللاعب الأفضل
يرى منذر بطاطي، الصحافي الرياضي السعودي، أن الانتشار الواسع لقاعدة جماهير برشلونة في العالم العربي ليس صدفة، بل هو جزء من استراتيجية النادي “لترسيخ مكانته كلاعب أساسي في الساحة الكروية العالمية، حيث يسعى لتحويل كل مشجع إلى نقطة قوة في شبكة نفوذه الدولي”.
وفي مقابلة مع DW عربية، قال بطاطي إن “إنجازات برشلونة وألقابه في العقدين الأخيرين كانت السبب الرئيسي في زيادة القاعدة الجماهيرية حول العالم”.
وأضاف بطاطي الذي يعمل ضمن فريق الإعداد في أحد أشهر البرامج الرياضية في الخليج، أن برشلونة تمكن من استقطاب لاعبين برازيليين أصحاب مهارة عالية مثل ريفالدو ورونالدينيو، “ولا ننسى حقبة اللاعب الأفضل في تاريخ كرة القدم، ليونيل ميسي الذي صنع تاريخا لا يُنسى لعشاق المتعة الكروية”.
وفي تحليل معمق، قالت مجموعة تايلور وفرانسيس/ روتليدغ، المتخصصة في الدراسات الاجتماعية والرياضية، إن نادي برشلونة أولى اهتماما كبيرا بالأسواق الشرقية، خاصة في الشرق الأوسط والصين وآسيا، من أجل تعزيز نمو علامته التجارية العالمية.
وأضافت الدراسة التي نُشرت قبل عامين أن الشرق الأوسط يُعد “سوقا رئيسيا بسبب القوة الشرائية العالية والاهتمام المتزايد بكرة القدم.”
“ذكاء واحترافية العلاقات”
لم يكن برشلونة النادي الأوروبي الوحيد الذي سعى لتعزيز حضوره في العالم العربي، فالكثير من كبرى الأندية الأوروبية حذت الحذو نفسه.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، دشنت فرق مثل ليفربول ومانشستر سيتي و ريال مدريد وباريس سان جيرمان حسابات باللغة العربية لنشر أحدث الأخبار والصور والأهداف.
لكن الحضور الكتالوني يبقى لافتا؛ إذ يتابع حساب “نادي برشلونة” على منصة إكس قرابة 6 ملايين شخص، بينما يتجاوز عدد متابعي الحساب الرسمي لريال مدريد باللغة العربية 11 مليونا.
وعلى فيسبوك، تخطى عدد متابعي صفحة “برشلونة نيوز” حاجز 5 ملايين، فضلا عن عشرات الحسابات الأخرى التي تتابع أخبار النادي.
مواهب عربية في صفوف برشلونة
وقد يكون أحد أسباب تنامي شعبية برشلونة في العالم العربي يعود إلى احتضانه لاعبين من أصول عربية، أبرزهم لامين يامال، نجم منتخب إسبانيا ذو الأصول المغربية، الذي تصدر قائمة اللاعبين الشباب بقيمة سوقية خيالية بلغت 343 مليون يورو، بحسب تقرير تقرير مرصد كرة القدم (سي أي إي اس).
كما انضم إلى برشلونة الشاب السوري-السويدي روني بردغجي، القادم من كوبنهاغن، إضافة إلى الكرواتي من أصول جزائرية لوفرو شلفي والألماني من أصول عراقية نوح درويش.
وفي مطلع الشهر الجاري، ضجت الأوساط الكروية في مصر بخبر انتقال المهاجم الشاب حمزة عبد الكريم، موهبة الأهلي، إلى صفوف برشلونة في صفقة وُصفت بأنها الأهم لقطاع الناشئين في القلعة الحمراء خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، قال منذر بطاطي، الصحافي الرياضي السعودي، إن هذه الوجوه الشابة من أصول عربية تأتي في إطار ما اعتبره “جودة المنتج البرشلوني”.
وأضاف بطاطي أن “موهبة لاعبين برشلونة تجعل من المتابعين يتداولون مقاطع المهارات الفردية كمحتوى رياضي ممتع يسوق له الجمهور بطريقة غير مباشرة بما في الجمهور العربي”.
“ذكاء لابورتا”
لا يمكن الجزم بأن وجود لاعبين من أصول عربية هو السبب الوحيد وراء شعبية برشلونة في المنطقة، لكن تجارب مشابهة مثل شعبية ليفربول بعد تألق محمد صلاح تؤكد تأثير النجوم العرب.
كما لا ننسى الصفقة التاريخية عام 2010 مع “مؤسسة قطر” لرعاية قميص النادي، والتي بلغت قيمتها 170 مليون يورو على مدى خمسة مواسم، قبل دخول “الخطوط القطرية” على خط الرعاية حتى عام 2017.
وربما يمكن القول أن برشلونة ربما استطاع – بشكل او بآخر – إلى توسيع نطاق جماهيريته في العالم العربي ليس فقط من خلال منصات التواصل الاجتماعي او حقوق الرعاية وإنما بطرق قريبة من عشاق الساحرة المستديرة.
وفي هذا السياق، يشير بطاطي إلى “ذكاء الرئيس خوان لابورتا الذي شاهدناه في السعودية خلال كأس السوبر الإسباني، وهو يتفاعل مع جماهير البرسا بحرفية عالية”.
من برشلونة إلى روشن
خلال السنوات الأخيرة، اتجهت كبرى أندية دوري روشن السعودية وعلى رأسها الهلال والأهلي والنصر نحو برشلونة ومحيطه كمصدر بارز لدعم صفوفها. فقد خطف الأهلي لقبه الآسيوي الأول بقيادة الإيفواري فرانك كيسييه. وفي الهلال، برز مالكوم أوليفيرا الذي مر ببرشلونة موسم 2018‑19، كأحد نجوم الفريق منذ انضمامه عام 2023.
أما جواو كانسيلو، فقد أُعير إلى برشلونة في 2023‑24ثم انتقل إلى الهلال صيف 2024، ومع بداية 2026 دخل الطرفان في مفاوضات متقدمة لإعادته إلى برشلونة على سبيل الإعارة حتى نهاية الموسم.
وتضم القائمة صفقات أخرى من إرث برشلونة مثل أوناي هيرنانديز الذي انضم للاتحاد وكان ضمن من ساهموا في تحقيق ثنائية الدوري وكأس الملك 2024‑25 وأيضا جواو فيليكس الذي أعلن النصر ضمه منتصف العام الماضي.
وأفادت تقارير مختلفة بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يدرس تقديم عرض ضخم بقيمة 10 مليارات يورو لشراء نادي برشلونة عبر صندوق الاستثمارات العامة، لكن صحف إسبانية اشارت إلى أن عملية الاستحواذ الكاملة غير ممكنة قانونيا بسبب نموذج الملكية الاجتماعية لبرشلونة. وتُثار الكثير من التكهنات عن شكل أي استثمارات سعودية مستقبلية في برشلونة.

