لندن: محمد الطّورة
هل نعيد الخطأ نفسه؟ من توريث السياسة إلى توريث الإعلام
هل كانت تجربتنا في عالم السياسة ناجحة حين تصدّر أبناء عائلة واحدة المشهد، حتى نفكّر اليوم في تكرارها داخل عالم الإعلام؟ سؤال طرحه أحد المعلقين يوم أمس حين تساءل بمرارة: أين الإعلام الرسمي؟ وهو تساؤل لا يبدو بسيطًا كما قد يظهر، بل يحمل في داخله نقدًا عميقًا لفكرة “توريث النفوذ”، سواء في السياسة أو في الإعلام، وكأنه يضعنا أمام مرآة نسأل فيها أنفسنا: هل أخفقنا في تجربة، ثم نعيد إنتاجها في مجال آخر أكثر حساسية وتأثيرًا؟
عند التأمل في التجارب التاريخية، سواء في العالم العربي أو خارجه، نجد أن صعود عائلات بعينها إلى واجهة العمل السياسي لم يكن بلا ثمن. صحيح أن هذا النمط قد وفّر في بعض الأحيان نوعًا من الاستقرار الشكلي، نتيجة استمرار نفس الشبكات والعلاقات ومراكز القرار، لكنه في المقابل قيّد فرص التنوع، وأضعف مبدأ الكفاءة، وفتح الباب أمام شعور متزايد بالإقصاء لدى فئات واسعة من المجتمع. ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد تداول محدود للسلطة، بل تحوّل إلى ما يشبه الاحتكار، حيث تتقلص المساحات أمام الأصوات الجديدة، وتُختزل الحياة العامة في دائرة ضيقة.
لكن الخطورة تتضاعف حين تنتقل هذه الفكرة إلى مجال الإعلام. فالإعلام، بطبيعته، ليس مجرد منصة لنقل الأخبار، بل هو مساحة للتعددية، ومنبر يفترض أن يعكس تنوّع المجتمع، لا أن يُختزل في صوت واحد أو توجه واحد. الإعلام الحقيقي هو الذي يراقب السلطة لا الذي يتبعها، وينقل نبض الناس لا الذي يُعاد إنتاجه داخل غرف مغلقة. لذلك، فإن سيطرة أنماط مغلقة أو عائلية على الإعلام تعني بالضرورة تراجع المصداقية، وهيمنة خطاب أحادي، وغياب النقد الحقيقي، وهو ما يؤدي في النهاية إلى فقدان الثقة بين الجمهور والمؤسسات الإعلامية.
ولا يمكن إغفال جانب آخر يزيد من تعقيد المشهد، وهو التضييق على وسائل الإعلام الخاصة من خلال سنّ قوانين تقيد حرية العمل الإعلامي، ووضع عراقيل أمام بعض المستثمرين في هذا المجال. وغالبًا ما يُبرَّر ذلك بالخوف من وجود “أجندات خاصة” لدى القائمين على هذه المؤسسات، لكن النتيجة العملية لمثل هذه السياسات قد تكون عكسية تمامًا. فبدلًا من تحقيق التوازن، يؤدي هذا التضييق إلى تغييب الرأي الآخر، وإضعاف التعددية، وترك الساحة شبه خالية أمام الإعلام الرسمي.
وحين يكون هذا الإعلام الرسمي بدوره خاضعًا لهيمنة أشخاص من عائلة واحدة أو دائرة ضيقة، فإننا نكون أمام مفارقة واضحة: إعلام يُفترض أنه يمثل الدولة بكل مكوناتها، لكنه في الواقع يبدو وكأنه إعلام خاص، يعكس رؤية محدودة لا تعبّر عن المجتمع بأكمله. وهنا تتعمق أزمة الثقة، ويتحول السؤال “أين الإعلام الرسمي؟” إلى تساؤل عن جوهر هذا الإعلام، لا عن شكله أو وجوده.
في النهاية، تبدو الفكرة واضحة: إذا كانت تجربة حصر النفوذ داخل دوائر ضيقة في السياسة لم تحقق العدالة ولا التنوع المطلوب، فمن غير المنطقي إعادة إنتاجها في الإعلام. بل إن الإعلام، على العكس تمامًا، يحتاج إلى الانفتاح، والتعدد، والاستقلال، حتى يتمكن من أداء دوره الحقيقي.

