لندن: محمد الطّورة
في ظل ضجيج الطروحات: الحاجة إلى صوت رسمي أكثر وضوحًا
رغم البعد الجغرافي، إلا أن المتابعة الدقيقة لما يجري تجعلني حاضرًا في تفاصيل المشهد بكل تعقيداته، أتابع ما يجري على الساحة الوطنية الأردنية بقدر كبير من القلق، في ظل تصاعد حالة الاستقطاب، في وقت يفترض أن تكون فيه الأولوية لتعزيز وحدة الصف وترسيخ خطاب وطني جامع.
ما نشهده ليس مجرد اختلاف في الرأي، فذلك صحي وضروري، بل انزياح في طبيعة الخطاب نفسه؛ من كونه مساحة للتفكير المشترك، إلى ساحة لفرض الأراء
، حيث يُختزل الوطن أحيانًا في موقف، وتُختزل الوطنية في اصطفاف. وهنا تكمن الإشكالية: حين يتحول النقاش من بحث عن الحقيقة إلى صراع على امتلاكها.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر في تعدد الأصوات، بل في غياب الصوت الجامع؛ ذلك الذي لا يُلغي الاختلاف، بل يحتويه، ويمنحه معنى ضمن إطار أوسع من الانتماء. غير أن هذا الصوت يبدو غائبًا أو خافتًا، تاركًا المجال لخطابات متنافرة، كل منها يدّعي تمثيل الكل، بينما يعمّق الانقسام في الواقع.
الإعلام، الذي يُفترض أن يكون وسيطًا بين الدولة والمجتمع، يتحول أحيانًا إلى مرآة تعكس التوتر بدل أن تُعيد صياغته، وإلى منصة تُكرر ذات الوجوه وذات السرديات، فيفقد قدرته على التجديد، وعلى ملامسة التحولات الحقيقية في وعي الناس.
أما الخطاب الذي يميل إلى الحدة أو التهديد، فهو في جوهره تعبير عن عجز لا عن قوة؛ فالحجة لا تحتاج إلى صوت مرتفع، بقدر ما تحتاج إلى وضوح واتساق. واللغة التي تنحدر من مستوى الفكرة إلى مستوى الانفعال، لا تضعف الخصم بقدر ما تُضعف الفكرة ذاتها.
وفي غياب الفعل الملموس، يصبح الخطاب عبئًا إضافيًا على الوعي، لا أداة لفهم الواقع أو تغييره. فيجد الفرد نفسه معلقًا بين ما يُقال وما يُعاش، بين خطاب يدّعي التماسك وواقع يعكس التشتت.
وربما المفارقة الأعمق، أن الانتماء في لحظات البعد يصبح أكثر نقاءً؛ إذ يتحرر من ضغط اللحظة، لكنه يزداد حساسية تجاه صورة الوطن، وتجاه الطريقة التي يُقدَّم بها، داخليًا وخارجيًا.
في النهاية، المسألة لا تتعلق بمن يملك الصوت الأعلى، بل بمن يملك القدرة على إنتاج معنى مشترك. فالأوطان لا تُبنى بخطابات متقابلة، بل بسردية جامعة، تعترف بالتعدد دون أن تسمح له بأن يتحول إلى انقسام.
يبقى السؤال معلقًا:
هل نحن أمام أزمة خطاب، أم أزمة وعي؟
وهل يمكن استعادة المساحة المشتركة قبل أن تتآكل بالكامل؟
ما نحتاجه ليس مجرد تهدئة في النبرة، بل إعادة تأسيس للمعنى؛ معنى أن نختلف دون أن نتباعد، وأن ننتمي دون أن نقصي، وأن نتحاور دون أن نخوّن.

