لندن: محمد الطّورة
رسالة لكل مسؤول في الوطن ثقة القيادة ليست صكًا مفتوحً
بينما يواصل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين جهوده في المحافل الدولية والزيارات الرسمية، دفاعًا عن الأردن ومصالحه، وسعيًا إلى تعزيز مكانته وحماية مستقبل أبنائه، يفاجأ المواطن بين حين وآخر بأخبار وممارسات تثير الغضب والأسى، لأنها لا تشبه الأردن ولا تشبه أخلاق الأردنيين الذين عرفناهم.
والأشد إيلامًا أن بعض هذه التجاوزات لا تصدر عن أشخاص عاديين، بل عن مسؤولين وضعت الدولة ثقتها فيهم، ومنحتهم مواقع وزارية ومناصب رفيعة، وتوّجت مسؤولياتهم بإرادة ملكية سامية. فكيف لمن اؤتمن على خدمة الوطن أن يجعل من موقعه بابًا للمنفعة؟ وكيف لمن حمل ثقة القيادة والشعب أن يسيء إلى هذه الثقة، وأن يعبث بما هو ملك لجميع الأردنيين؟
هل هذا هو الأردن الذي عرفناه؟ وهل هؤلاء هم الرجال الذين قرأنا عنهم في تاريخ الدولة الأردنية، ممن غادروا مواقعهم وهم يحملون الديون، لكنهم لم يحملوا شبهة فساد، ولم تمتد أيديهم إلى المال العام، ولم يجعلوا من الوظيفة وسيلة للثراء أو النفوذ؟
نعم، قد تكون وقعت تجاوزات هنا أو هناك في مراحل سابقة، فلا مجتمع يخلو من الأخطاء أو من ضعاف النفوس. لكنها كانت حالات محدودة، لا تكاد تُذكر أمام ما نراه اليوم من وقائع تهز ثقة المواطن، وتسيء إلى هيبة المنصب، وتترك أسئلة مؤلمة حول معنى المسؤولية العامة وحدود الرقابة والمحاسبة.
إن التجاوز حين يصدر عن مواطن عادي يبقى فعلًا مرفوضًا يعالجه القانون، أما حين يصدر عن مسؤول كبير أو صاحب قرار أو من ائتمن على المال العام، فإنه يتحول إلى جريمة مضاعفة؛ جريمة بحق الدولة، وبحق ثقة جلالة الملك، وبحق المواطن الذي يدفع الضرائب وينتظر من مؤسسات الدولة أن تحمي ماله وكرامته ومستقبل أبنائه.
خلال مسيرة حياتي العملية الطويلة داخل الوطن وخارجة، لم أسمع، على الأقل ممن عملت معهم أو إلى جانبهم، عن شخص جعل من وظيفته طريقًا لمد يده إلى المال العام. كانت الوظيفة شرفًا، والمنصب تكليفًا، والنزاهة قاعدة لا استثناء، وكان المسؤول يخشى على سمعته وسمعة عائلته وسمعة الوطن أكثر مما يخشى على موقعه.
أما اليوم، فلا يكفي أن ننتظر وقوع الفساد ثم نتحرك بعد أن تكون الأضرار قد وقعت والثقة قد اهتزت والسمعة قد تضررت. المطلوب رقابة حقيقية تسبق الجريمة، ومساءلة لا تعرف المجاملة، وقانون يُطبق على الجميع دون استثناء أو حماية أو تأخير. فالتهاون مع الفساد لا يحمي أحدًا، بل يفتح الباب لمزيد من العبث، ويجعل المنصب العام مطمعًا بدل أن يبقى أمانة.
ومن هنا، فإننا نطالب مؤسسات الدولة ودوائرها المختصة بأن تضاعف جهودها في الرقابة والمحاسبة، وأن تركز قبل كل شيء على مواجهة هذه الآفة التي بدأت تطل برأسها بصورة لا تليق بالأردن ولا بتاريخ مؤسساته. فمكافحة الفساد لا يجب أن تقتصر على معالجة النتائج بعد وقوعها، بل ينبغي أن تبدأ بالكشف المبكر، وإغلاق الثغرات، وملاحقة كل من تسوّل له نفسه استغلال موقعه أو العبث بالمال العام.
كما يجب فتح المجال أمام كل مواطن شريف، يهمه الوطن وسمعته ومستقبل أبنائه، لأن يرفع صوته عاليًا دون خوف أو تردد، وأن يشير إلى مواقع الخلل ويكشف التجاوزات ضمن إطار القانون والمسؤولية. فقد دعا قائد الوطن إلى رفع الصوت عاليًا في مواجهة الخطأ، ولا يجوز أن تبقى هذه الدعوة مجرد كلمات، بل يجب أن تتحول إلى ثقافة وطنية تحمي الدولة وتساند مؤسساتها وتمنع الفاسد أياً كان من الاختباء خلف النفوذ أو المنصب.
فالصمت عن التجاوز ليس حيادًا، والتغاضي عن الفساد ليس حكمة، بل قد يكون مشاركة غير مباشرة في استمراره. وحماية الأردن مسؤولية الجميع؛ مؤسساتٍ ومسؤولين ومواطنين، لأن سمعة الوطن ليست ملكًا لفرد أو جهة، بل هي أمانة في أعناقنا جميعًا.
إن من يستغل منصبه، أو يعتدي على المال العام، أو يتعامل مع مقدرات الوطن وكأنها ملك خاص، لا يستحق شرف البقاء في موقع المسؤولية، بل يستحق أن يُحاسب أمام القانون والرأي العام. فلا حصانة أمام الأمانة، ولا مكانة تعلو على الوطن، ولا منصب يبرر الخيانة.
الأردن أكبر من أي مسؤول، وأبقى من أي منصب، وأنظف من أن تُشوَّه صورته بأفعال قلة لا تعرف معنى الشرف الوطني. نريد أردنًا كما كان تُصان فيه هيبة الدولة، ويُحترم فيه المال العام، ويعلم فيه كل مسؤول أن ثقة القيادة ليست صكًا مفتوحًا، بل امتحانًا يوميًا للنزاهة والولاء.
هذا هو الأردن الذي نريده: أردن القانون، وأردن الكرامة، وأردن الرجال الذين يخدمون الوطن بصمت ويغادرون مواقعهم مرفوعي الرأس، لا مثقلين بالشبهات والفضائح.

