رحيل سمو الأمير حمد بن خليفة آل ثاني
من نهضة الداخل إلى صناعة النفوذ العالمي… كيف أسس الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لقطر الحديثة، وكيف واصل الأمير تميم ترسيخ مكانتها قوةً سياسيةً واقتصاديةً ودبلوماسيةً مؤثرة في العالم.
لم يكن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مجرد حاكم قاد دولة خلال مرحلة زمنية معينة، بل كان رجل دولة استطاع أن يعيد رسم ملامح قطر الحديثة، وأن ينقلها من دولة خليجية ذات حضور إقليمي محدود إلى دولة تمتلك تأثيرًا سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا يتجاوز حدود الجغرافيا، حتى أصبحت الدوحة اسمًا حاضرًا في ملفات السياسة الدولية، والطاقة، والاستثمار، والوساطات، والعمل الإنساني.
وبوفاته، لا تفقد دولة قطر قائدًا تاريخيًا فحسب، وإنما تفقد الأمة العربية والإسلامية شخصية سياسية تركت أثرًا واضحًا في مسار المنطقة طوال العقود الثلاثة الماضية، وأسهمت في ترسيخ مفهوم جديد للدولة العربية القادرة على الجمع بين التنمية الاقتصادية والاستقلال السياسي والحضور الدولي الفاعل.
إن موقع العموم نيوز من لندن، إذ يتقدم بخالص العزاء إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، والشعب القطري الشقيق، والأمتين العربية والإسلامية، فإنه يستذكر مسيرة قائد آمن بأن قوة الدول لا تقاس بمساحتها أو عدد سكانها، وإنما بقدرتها على صناعة القرار وبناء الإنسان والاستثمار في المستقبل.
لقد شهد عهد الأمير الوالد تحولات كبرى ستبقى محفورة في التاريخ الحديث لدولة قطر. ففي عهده انطلقت النهضة الاقتصادية الشاملة، وتطورت البنية التحتية، وتعززت المؤسسات، ورسخت رؤية استثمارية جعلت من قطر واحدة من أهم القوى الاقتصادية في العالم في قطاع الطاقة، وأحد أكبر المستثمرين الدوليين عبر صناديقها السيادية، بما وفر للدولة مكانة اقتصادية مؤثرة على المستوى العالمي.
وعلى الصعيد السياسي، انتهج الأمير الراحل سياسة خارجية نشطة، جعلت من الدوحة عاصمة للحوار والوساطات، ومركزًا للدبلوماسية الهادئة، ومكانًا تلتقي فيه الأطراف المتنازعة بحثًا عن حلول سياسية، وهو نهج منح قطر احترامًا واسعًا في الأوساط الدولية.
كما سيظل التاريخ يذكر أن تأسيس شبكة الجزيرة الإعلامية كان أحد أبرز المشاريع الإستراتيجية في عهده، إذ أحدثت تحولًا نوعيًا في الإعلام العربي، وأصبحت منبرًا عالميًا نقل الصوت العربي إلى العالم، وفتحت آفاقًا جديدة للنقاش والإعلام المهني، ورسخت حضورًا إعلاميًا قطريًا تجاوز الحدود.
أما على المستوى العربي والإسلامي، فقد ارتبط اسم الأمير الوالد بدعم العديد من القضايا العربية والإنسانية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب مساهمات قطر في دعم الشعب البوسني خلال سنوات الحرب، وإسناد جهود التنمية والإغاثة في عدد من الدول العربية والإسلامية، فضلاً عن دعم اقتصادات دول شقيقة من خلال الاستثمارات والمساعدات، وفي مقدمتها المملكة الأردنية الهاشمية، وغيرها من الدول التي وجدت في قطر شريكًا في التنمية والاستقرار.
غير أن واحدة من أكثر المحطات رسوخًا في ذاكرة التاريخ السياسي العربي كانت قراره، عام 2013، بالتنازل الطوعي عن الحكم لنجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. ففي منطقة اعتادت أن يكون انتقال السلطة فيها محاطًا بالتعقيدات، جاء ذلك الانتقال هادئًا ومنظمًا، ليقدم نموذجًا مؤسسيًا نادرًا في العالم العربي، ويؤكد أن استمرارية الدولة أهم من الأشخاص، وأن تجديد القيادة يمكن أن يتم بروح المسؤولية والاستقرار.
واليوم، وبعد أكثر من عقد على ذلك الانتقال، تبدو ملامح الرؤية التي أسسها الأمير الوالد أكثر وضوحًا. فقد واصل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني البناء على ما تحقق، محافظًا على ثوابت السياسة القطرية، مع تطوير أدواتها بما يتناسب مع التحولات الدولية المتسارعة.
وفي عهد الأمير تميم، عززت قطر حضورها بوصفها شريكًا رئيسيًا في العديد من الملفات الدولية، ولعبت أدوار وساطة في أزمات إقليمية ودولية، واستضافت جولات تفاوض بين أطراف متنازعة، ما عزز سمعتها كدولة تفضل الحوار والدبلوماسية على التصعيد.
كما واصلت قطر ترسيخ مكانتها الاقتصادية، مستفيدة من توسعة مشاريع الغاز الطبيعي المسال، وتنويع اقتصادها، وتعزيز استثماراتها العالمية، بما جعلها أحد اللاعبين المؤثرين في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وشريكًا اقتصاديًا يحظى باهتمام كبرى القوى الاقتصادية.
وعزز النجاح في استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 صورة قطر كدولة قادرة على تنظيم الأحداث العالمية الكبرى، ليس بوصفه إنجازًا رياضيًا فحسب، بل باعتباره مشروعًا حضاريًا عكس تطور البنية التحتية، وكفاءة المؤسسات، والانفتاح على العالم.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الدولة التي بناها الأمير الوالد لم تكن مشروعًا مرتبطًا بشخص، بل رؤية وطنية متكاملة استمرت في عهد الأمير تميم، الذي حافظ على مسار التنمية، وعزز الحضور السياسي والاقتصادي والدبلوماسي لدولة قطر، حتى أصبحت لاعبًا يحظى بالاحترام في كثير من القضايا الإقليمية والدولية.
إن رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يطوي صفحة قائد استثنائي، لكنه لا يطوي المشروع الذي أسسه، لأن الدول العظيمة تقاس بقدرتها على الاستمرار، ولأن القادة الكبار يتركون وراءهم مؤسسات ورؤى ومسارات تتجاوز أعمارهم.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وألهم دولة قطر قيادةً وشعبًا الصبر والسلوان، وحفظها واحةً للاستقرار والتنمية، لتواصل دورها الفاعل في خدمة السلام، ودعم التنمية، والإسهام في استقرار المنطقة والعالم.

