العموم نيوز: يواصل الشاعر العراقي عبود الجابري، تثبيت حضوره البارز والمتنامي في المشهد الثقافي العربي، إذ أصدر مؤخراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة “الإبداع العربي”، ديوانه الجديد “فحم أبيض”، والذي يضمُّ أربعاً وثلاثين قصيدة تنوعت بين التأملات الوجودية والتعبير عن الهموم الذاتية والإنسانية، استخدم فيها الشاعر لغة مكثفة تتسم بالمفارقة وتعتمد بشكل كبير على تشكيل الصور المركبة، ويعكس الديوان بذلك خصوصية تجربة الجابري الشعرية، التي تمزج بين الحس التأملي والطابع الرمزي، وتطرح تساؤلات عميقة حول العالم باستخدام أدوات شعرية متقنة ودقيقة. وقد صَمّم غلاف الديوان الفنان المصري الشهير أحمد اللباد.
“فحم أبيض” لعبود الجابري.. عوالم تتقاطع فيها الذات مع قسوة الواقع
ينفتح ديوان “فحم أبيض” للشاعر العراقي عبود الجابري، على عوالم قاتمة تتقاطع فيها الذات مع قسوة الواقع، حيث يصطدم الشاعر بعتمة النفس والعالم، كاشفًا عن هشاشة الوجود الإنساني وعجزه عن الإمساك بالمعنى، لا تظهر الذات الشاعرة في النصوص بوصفها حضورًا مكتملًا، بل كأثر متشظٍ أو صدى بعيد، يتردد في فضاءات يغمرها القلق والأسئلة الوجودية.
ويتنقل الجابري بين اليومي والمجازي، والذاتي والكوني، ليقدم رؤية شعرية تكشف عن عالم مثقل بالقمع والعنف والزيف، عالم يُقيد الحب ويعيد إنتاج الخوف والصمت، وفي هذا السياق، تستحضر القصائد الأسطورة بوصفها مرآة للقلق الإنساني، كما يوظف الشاعر الرمز لاستعادة تاريخ من انتهاك البراءة وبرودة العلاقات، في محاولة لإعادة تشكيل العالم وصياغة معنى جديد للوطن.
ويعكس الديوان، عبر نصوصه، ملامح مقاومة وجودية تسعى إلى تثبيت حضور هش في عالم موسوم باللاجدوى، مع تطلع دائم نحو يقين يبدو مستحيل المنال، لكنه يظل محركًا للكتابة وسببًا في استمرارها.
ويُعد عبود الجابري شاعرًا ومترجمًا عراقيًّا، عمل محررًا ومدققًا لغويًا، وتُرجمت أعماله إلى بضع لغات، منها الإنجليزية والفارسية والإسبانية والتركية. وهو يقيم في العاصمة الأردنية عمّان منذ عام 1993، وصدرت له عدة دواوين، من بينها “فهرس الأخطاء” (2007)، و”يتوكأ على عماه” (2009)، و”متحف النوم” (2013) (الذي حظي بترجمة إلى اللغة الإسبانية)، و”فكرة اليد الواحدة” (2015)، و”تلوين الأعداء” (2017)، و”في البيت وما حوله” (2021)، و”فراغ بين فاصلتين” (2023). وتؤلف هذه الإصدارات مجتمعة مشروعًا شعريًا فريدًا ينتهج تفكيك اللغة كأداة للكشف والتحليل، مستندًا إلى استحضار الواقع عبر رموز متعددة الطبقات والدلالات؛ ما يمنح نصوصه عمقًا غنيًّا ومفتوحًا لتفسيرات لا تنتهي.
وقد تميزت أشعار عبود الجابري بقدرتها على عبور الحدود الثقافية، إذ تُرجمت نصوصه إلى العديد من اللغات، واحتفل المركز البريطاني لترجمة الشعر (Poetry Translation Centre) بإبداعاته عبر تنظيم ورشة عمل لترجمة مختارات من قصائده. كما بلغ تأثيره الفني العالمية عندما قامت الفنانة البريطانية جوانا مارش بتلحين قصيدته الشهيرة “أفول”، التي جابت المسارح العالمية ولا تزال تُقدم حتى يومنا هذا، وقد تميز الجابري في مجال الترجمة إلى جانب إبداعه الشعري، حيث نقل إلى العربية العديد من النصوص الأدبية البارزة والدراسات النقدية والجمالية.
ويأتي صدور “فحم أبيض” في سياق اهتمام الهيئة المصرية العامة للكتاب بدعم التجارب الشعرية العربية المعاصرة، حيث تعنى سلسلة “الإبداع العربي” بتقديم أعمال مختارة تُثري المشهد الأدبي وتوسّع آفاقه، وقد أشارت الهيئة في تقديمها للديوان إلى أنه ينفتح على عوالم معتمة تتقاطع فيها الذات مع قسوة الواقع، كاشفًا عن هشاشة الوجود الإنساني وعجزه عن الإمساك بالمعنى.

