لندن: محمد الطّورة
من منطلق الحرص العميق على وطني الحبيب الأردن، ذلك الوطن الساكن فينا قبل أن نسكن فيه، أجد نفسي مدفوعًا لطرح جملة من التساؤلات بكل محبة ومسؤولية. فقد تابعت، كما تابع غيري من أبناء هذا الوطن، حجم الانشغال بين المواطنين، وكذلك ردود البنك المركزي، حول موضوع “المخمّسة” — وهو الاسم الذي اعتاد الأردنيون إطلاقه على فئة الخمسة دنانير عبر سنوات طويلة.
وإذ أستحضر هذا المصطلح الشعبي الذي يعكس علاقة الناس اليومية بعملتهم، فإن ما يدفعني للكتابة ليس الجدل بحد ذاته، بل الحرص على فهم ما يجري، وتوضيح الغاية، وطرح الأسئلة التي قد تدور في أذهان كثيرين، علّنا نصل إلى قراءة أعمق لما وراء هذا الموضوع في هذا التوقيت تحديدًا.
في لحظة إقليمية واقتصادية بالغة الحساسية، حيث تتشابك التحديات المالية مع ضغوط المعيشة اليومية، يبرز سؤال مشروع ومُلِحّ: هل نملك في الأردن ترف الانشغال بإجراءات شكلية مثل طرح أوراق نقدية جديدة من فئة الخمسة دنانير، بينما الأولويات الوطنية أكثر إلحاحًا وتعقيدًا؟
ليس الاعتراض هنا على مبدأ تحديث العملة بحد ذاته، فهذا إجراء طبيعي في سياق إدارة نقدية حديثة. لكن التوقيت، والرسائل المرافقة، والجدوى المباشرة للمواطن والاقتصاد، كلها أمور تستحق التوقف والمساءلة.
ما الهدف الحقيقي من طرح هذه الأوراق في هذا التوقيت تحديدًا؟
هل نحن أمام ضرورة نقدية ملحة، أم مجرد إجراء إداري يمكن تأجيله؟
وهل تم تقدير الأثر النفسي والسلوكي على المواطنين الذين قد يساورهم القلق أو الارتباك حيال اختلاف التواقيع، رغم التأكيدات الرسمية؟
ثم، من المستفيد الفعلي من هذا الإجراء؟
هل سيعزز ذلك الثقة بالدينار الأردني؟
هل سينعكس إيجابًا على استقرار الأسواق أو القدرة الشرائية؟
أم أنه عبء إضافي – ولو كان بسيطًا – يُضاف إلى قائمة طويلة من التحديات اليومية التي يواجهها المواطن؟
الأهم من ذلك، أين موقع هذا القرار ضمن أولويات المرحلة؟
في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط التضخم، والتحديات الإقليمية، أليس من الأجدى توجيه الجهود نحو سياسات تعزز الاستقرار الاقتصادي، وتدعم القدرة الشرائية، وتحفّز النمو؟
وأين دور المستشارين وأصحاب الخبرة في ترتيب الأولويات؟
هل نناقش فعلاً القضايا التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر، أم ننشغل بإجراءات لا تضيف قيمة ملموسة في هذه اللحظة؟
المواطن اليوم لا يبحث عن تغيير شكل الورقة النقدية، بل عن استقرار قيمتها.
لا يعنيه اسم الموقع على التوقيع بقدر ما يعنيه ما يستطيع أن يشتريه بهذه الورقة.
إن قوة العملة لا تُقاس بتصميمها، بل بثقة الناس بها، وبقدرة الاقتصاد على حمايتها.
وأي خطوة، مهما كانت صغيرة، يجب أن تُقاس بمدى خدمتها لهذا الهدف.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
هل هذا هو الوقت المناسب لمثل هذه الإجراءات؟
أم أن الحكمة تقتضي التركيز على ما يعزز صمود الاقتصاد ويخفف الأعباء عن المواطن؟
في زمن الأزمات، لا تكون المشكلة في القرارات بحد ذاتها، بل في ترتيبها ضمن سلم الأولويات.
وهنا، يكمن جوهر النقاش الذي يستحق أن يُفتح بشفافية ومسؤولية.

