لندن: محمد الطّورة
حين أكتب في الشأن العام، أحرص دائماً أن أكتب بقدر عالٍ من الحيادية والشفافية. لا أميل إلى طرف على حساب آخر، ولا أنحاز لجهة دون أخرى، لأن الغاية والهدف مما أكتب هو مصلحة الوطن أولاً وأخيراً. فالكلمة في قضايا الشأن العام يجب أن تكون مسؤولة، صادقة، ومجردة من الأهواء، لأنها تتعلق بمصالح الناس ومستقبل الدولة.
ومن باب الإنصاف أيضاً، لا بد من التأكيد أن كون رئيس مجلس النواب كان في وقت من الأوقات أحد رموز السلطة التنفيذية، عندما شغل منصب وزير الداخلية ومديراً للأمن العام، فهذا الأمر بحد ذاته لا يعيبه ولا ينتقص من وطنيته أو حرصه على المصلحة العامة. فخدمة الدولة في أي موقع هي شرف ومسؤولية، ولا يجوز أن تتحول المسيرة المهنية إلى موضع تشكيك.
فالرجل، كما يعرفه الكثيرون، لا ينحاز بالضرورة لقرارات الحكومة، لكنه قد يكون منحازاً لقرارات الدولة كما يراها، وهذا فرق جوهري يجب التوقف عنده. فالدولة مفهوم أوسع من الحكومة، ومؤسساتها تقوم على توازن الأدوار بين السلطات المختلفة.
وأنا ككاتب لهذا المقال خدمت أكثر من أربعة عقود في الوظيفة العامة، وأعرف جيداً طبيعة العمل داخل مؤسسات الدولة وحدود العلاقة بين السلطات المختلفة. ومع ذلك، عندما أكتب في الشأن العام لا أكتب بعقلية الموظف السابق، بل بعقلية المواطن الذي يرى في الكلمة أمانة ومسؤولية.
لذلك، قد أجد نفسي أحياناً منحازاً للوطن والدولة عندما تكون قرارات الحكومة تصب في المصلحة العامة وتخدم المواطنين، فأدافع عنها وأساندها. لكنني في المقابل لا أتردد في انتقادها أشد الانتقاد عندما تصدر قرارات لا تنسجم مع المصلحة العامة أو تثقل كاهل الشعب بقرارات لا تناسب ظروفه.
ومن هذا المنطلق تحديداً أكتب اليوم عن المشهد الذي شهدته قبة مجلس النواب، حين سادت حالة من الغضب بين عدد من النواب بعد قرار رئيس المجلس رفع الجلسة التي كانت مخصصة لمناقشة قانون الضمان الاجتماعي.
نعلم جميعاً أن هذا القانون ليس قانوناً عادياً يمكن تأجيل النقاش حوله بسهولة إلا أذا كانت هناك أسباب ومبررات يقدرها رئيس المجلس، بل هو قانون يمس حياة مئات الآلاف من الأردنيين من العمال والمتقاعدين، ويمس أيضاً مستقبل الأجيال القادمة التي تعوّل على نظام ضمان اجتماعي عادل ومستدام.
غير أن المشهد الذي أعقب قرار رفع الجلسة كان لافتاً، فقد ارتفعت أصوات الاعتراض داخل القبة، وبدأت بعض الاتهامات تُوجَّه إلى رئيس المجلس، واعتبر بعض النواب أن ما حدث يمثل تعطيلًا لنقاش مهم كان ينتظره الشارع الأردني.
لكن قبل أن يتحول هذا الغضب إلى موجة من التصريحات والاتهامات، يبرز سؤال بسيط وربما صريح إلى حد الإحراج: من الذي ينتخب رئيس المجلس؟
أليس أنتم؟
أنتم من منحتموه أصواتكم تحت القبة، وأنتم من وضعتموه على كرسي رئاسة مجلس النواب. وعندما فعلتم ذلك كنتم تدركون جيداً مسيرته الطويلة في مواقع الدولة المختلفة. كنتم تعلمون أنه شغل مناصب تنفيذية رفيعة، وأنه أمضى سنوات طويلة في مواقع المسؤولية داخل مؤسسات الدولة مدافعاً عن الوطن .
واليوم، بعد قرار رفع الجلسة، نسمع من يقول إن الرجل لم يخرج بعد من عباءة المسؤول التنفيذي. حسناً، إن كان هذا هو التقييم اليوم، فالسؤال المنطقي: ألم تكن هذه الحقائق معروفة قبل انتخابه؟
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بقرار رفع جلسة واحدة، بل بالمشهد الأوسع داخل المؤسسة التشريعية. فعندما يغضب النواب من رئيس اختاروه بأصواتهم، فإن المسألة لا تتعلق بشخص الرئيس فقط، بل بطريقة إدارة انتخابات رئاسة المجلس نفسها.
هل كان الاختيار يومها مبنياً على قناعة بقدرة الرئيس على إدارة المجلس وحماية استقلاله؟ أم أن الأمر كان جزءاً من تحالفات وترتيبات مؤقتة داخل القبة؟
قانون الضمان الاجتماعي قضية وطنية كبرى، وكان من الطبيعي أن يحظى بنقاش معمق ومسؤول داخل المجلس، فمثل هذه القوانين لا تخص حكومة بعينها ولا مجلساً بعينه، بل تمس حاضر الأردنيين ومستقبلهم.
لكن ما هو أهم من الغضب اللحظي هو المراجعة الصادقة. فالمجلس لا يحتاج فقط إلى استكمال جلسة مؤجلة، بل يحتاج إلى وقفة جادة لمراجعة كيفية إدارة العمل التشريعي، ومسؤولية كل نائب عن القرارات التي تُتخذ داخل القبة.
ففي النهاية، قد يكون من السهل توجيه الانتقادات بعد كل أزمة، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام النواب أنفسهم هو:
عندما تختارون رئيس لمجلس النواب…
هل كنتم تختارون رئيساً للمجلس فعلاً، أم كنتم تختارون ما تعرفونه مسبقاً؟
إن كان الجواب الثاني هو الأقرب للحقيقة، فلا ينبغي أن يكون الغضب اليوم مفاجئاً.

