لندن: محمد الطّورة
من عظيم فضل الله وكرمه أن أتاح لي، خلال سنوات عملي في السفارة الأردنية في لندن وواشنطن، شرف أن أكون في خدمة الأسرة الهاشمية، وهو شرف أعتز به ما حييت، ومحطة مضيئة في مسيرتي المهنية ستبقى راسخة في ذاكرتي ووجداني.
ولم يكن فخري بهذا الشرف مقتصراً على طبيعة عملي أو ما حمله من مسؤولية، بل كان يزداد رسوخاً واعتزازاً كلما سمعت من شخصيات وعاملين في مجالات متعددة في بريطانيا والولايات المتحدة كلمات الإطراء والتقدير لأخلاق أفراد الأسرة الهاشمية، رجالاً ونساءً، وما يتحلّون به من تواضع ورقيّ في التعامل واحترام للآخرين.
كم كان يزداد فخري بالأردن وقيادته، حتى أشعر وكأن رأسي يعانق السماء، حين أسمع من أشخاص لا تربطني بهم صلة أردنية إشادةً بأخلاق هذه الأسرة وتواضعها! كانت تلك الكلمات تعني لي الكثير؛ لأنها لم تكن مجرد مجاملات أسمعها بصفتي أردنياً، بل انطباعات أسمعها ممن عرفوا هذه الأسرة وتعاملوا مع أفرادها. وكنت أشعر حينها بأنني لا أحمل اعتزازاً شخصياً فحسب، بل أرى في تلك الشهادات تقديراً لوطني وقيادته، وإدراكاً لقيمة الأخلاق الطيبة التي تتجاوز الحدود والجغرافيا.
وقد تعلّمت من هذه التجربة أن عظمة الإنسان لا تُقاس بمكانته أو منصبه، بل بأخلاقه وتواضعه، وبقدرته على الاقتراب من الناس واحترامهم والشعور بهم. وقد لمست، من خلال تجربتي المهنية، ما يتركه التواضع والبساطة في التعامل من أثر طيب في النفوس، وكيف تزداد المكانة رفعة حين تقترن بحسن الخلق ومحبة الناس.
ومن هنا، فإن هذه التجربة ليست مجرد ذكرى أعتز بها، بل هي أيضاً رسالة أرى أن من المهم أن يستحضرها كل من يتولى منصباً متقدماً أو مسؤولية عامة في الدولة الأردنية. فالمناصب، مهما علت، ليست امتيازاً للتعالي على الناس، بل أمانة ومسؤولية في خدمتهم. ولا ينبغي أن تصنع حواجز بين المسؤول والمواطن، بل أن تجعل المسؤول أكثر قرباً من الناس، وأكثر إحساساً بهمومهم، وحرصاً على تيسير أمورهم وصون كرامتهم.
إن الاقتداء بالنهج الهاشمي في التواضع ومحبة الناس وخدمتهم لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالممارسة اليومية، والإنصات للمواطن، وفتح الأبواب أمامه، والتعامل معه باحترام، والسعي الصادق إلى حل مشكلاته. فالمسؤولية الحقيقية لا تظهر في حجم الصلاحيات التي يمتلكها المسؤول، بل في مقدار ما يقدمه للناس، وما يتركه في نفوسهم من أثر طيب.
فالمناصب إلى زوال، أما محبة الناس والسيرة الطيبة فهما الإرث الحقيقي الذي يبقى. ولا تُكتسب المحبة بالألقاب والمواقع، بل بالتواضع والعدل والإخلاص في خدمة الوطن والمواطن.
إن ما خرجت به من سنوات عملي في لندن وواشنطن هو قناعة راسخة بأن التواضع لا ينتقص من هيبة المسؤول، بل يزيده احتراماً، وأن القرب من الناس ليس ضعفاً في المكانة، بل قوة في الأخلاق ونبل في المسؤولية. وأؤمن بأن أجمل ما يمكن أن يتركه صاحب المنصب وراءه ليس اسمه على باب مكتب، ولا الألقاب التي حملها، بل دعوة صادقة من مواطن ساعده، وذكرى طيبة في نفس إنسان أنصفه أو يسّر عليه أمراً.
الحمد لله الذي أكرمني بهذه التجربة، ومنحني شرف خدمة الأسرة الهاشمية، وأتاح لي أن أكون شاهداً على أثر الأخلاق والتواضع في بناء الاحترام والمحبة. وسيظل هذا الشرف موضع اعتزازي وامتناني، وسيبقى فخري بالأردن وقيادته الهاشمية حاضراً في القلب والوجدان.
حفظ الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ قائده جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله، وجعلنا جميعاً ممن يخدمون وطنهم بإخلاص، ويعاملون الناس بتواضع ومحبة، ويتركون وراءهم سيرة طيبة وأثراً نافعاً.