العموم نيوز – قصة حديقة تسيتسين اليابانية في موسكو، مستكشفة طبيعة زهرة الساكورا ككائن نباتي رقيق وكيفية تكيفها وازدهارها في المناخ الروسي.
تعود جذور هذه الحديقة إلى سبعينيات القرن الماضي، حين احتضنتها حديقة “تسيتسين” النباتية الرئيسية لتكون جسرا ثقافيا يُعرف المواطنين السوفييت آنذاك على المبادئ الجمالية وفنون البستنة اليابانية العريقة. ولم تكن الحديقة مجرد مساحة خضراء، بل صُممت لتكون مَعْلما فلسفيا يحمل كل تفصيل فيه دلالة عميقة، مسترشدة برؤية مهندس المناظر الطبيعية الياباني الشهير “كين ناكاجيما”.
أزهار الساكورا الشمالية
لضمان صمود هذه الأشجار في الأجواء الروسية، جُلبت شتلات الساكورا من جزيرة هوكايدو، وهي المنطقة الشمالية في اليابان والأقرب مناخيا إلى روسيا. وقد صُممت هذه الحديقة في الأصل لتتطلب تأملا عميقا لا مجرد نظرة سطحية؛ فالفن الياباني رمزي بامتياز، وكل حديقة فيه هي بمثابة “بيان” بصري أو لوحة تتطلب معرفة بقواعد قراءتها. ومن أبرز رموزها “الباغودا” التي ترمز إلى المعبد البوذي، وهي مفتاح أساسي لفهم التصميم العام للمكان.

أزهار بلا رائحة
وعلى الرغم من الشهرة الواسعة للساكورا، إلا أن مفهومها خارج موطنها غالبا ما يُبسط؛ إذ يُطلق الاسم خطأ على أي شجرة وردية، بينما هي في الواقع نوع خاص من أشجار الفاكهة ذات النواة الحجرية، وهي نباتات مستوطنة في اليابان التي تحتفي بها كرمز لفضائها الثقافي.
ومن اللافت أن الساكورا شجرة “غير نفعية”، فجمالها لا يُستهلك كسلعة، بل يُتأمل فقط، وهي نقطة جوهرية تُذكر الإنسان بأنه ليس كل ما في الطبيعة خُلق ليُستهلك كسلعة؛ فأحيانا تكون القيمة الأسمى هي في تأمل الجمال والاستمتاع بوجوده فقط.
كما تمتاز أزهار الساكورا بكونها عديمة الرائحة، وهي سمة فريدة تجعل تجربة إدراكها بصرية بامتياز، حيث يتركز شعور التأمل بالكامل على رهافة اللون، وهندسة الشكل، وقدسية لحظة الإزهار ذاتها.

جمال عابر غير متوقع
تفتحت الساكورا في موسكو هذا العام بوقت مبكر قياسي يتزامن مع تفتحها شمال اليابان في نهاية أبريل. ومع ذلك، يظل إزهارها ظاهرة قصيرة الأمد وعصية على التنبؤ؛ إذ يمكن للرياح أو الأمطار أن تُسرّع تساقط البتلات، وهو ما يمثل “جمال اللحظة العابر” وزوال الحياة.
لكن اللحظة الأكثر تعبيرا هي نهايتها، حين تهب الرياح وتتشكل “دوامة وردية” من البتلات الراحلة، وهنا تبرز رمزية الساكورا في عدم القدرة على التنبؤ بها، لتشبه الحياة نفسها.
الرمزية والمعنى
تحتل زهرة الساكورا مكانة استثنائية في الوجدان الياباني، حيث نسجت الثقافة حولها عبر القرون منظومة معقدة من الرموز والمعاني. إذ تجسد هذه الزهرة في أصلها “الجمال البسيط” الذي لا يُدرك إلا في لحظة عابرة، وهو أحد الركائز الجوهرية للفلسفة اليابانية التي تحث على تلمس الجمال في بساطته الطبيعية الزائلة، والتركيز على ثراء اللحظة الحاضرة.
ومع مرور الزمن، اتسعت هذه الرمزية لتصبح الساكورا أيقونة لوحدة الأمة اليابانية وصمود تقاليدها، كما اكتسبت بُعدا أعمق لدى “الساموراي”؛ إذ أصبحت رمزا للشرف وامتياز الموت في عنفوان الشباب قبل الذبول. ولعل هذا الثراء الرمزي هو ما جعل صورتها تهيمن على الفنون اليابانية بمختلف أشكالها، من الرسم والشعر إلى “مسرح نو” العريق، لتغدو رمزا عالميا يوحد الناس عاطفيا ويربطهم بتراث إنساني يقدس الجمال والوفاء.

ممارسة الهانامي
في التقاليد اليابانية، لا يتوقف إدراك أزهار الساكورا عند حدود المشاهدة البصرية، بل يتعدى ذلك إلى الاستجابة الوجدانية التي تثيرها في النفس البشرية، وهو ما يُعرف بممارسة “الهانامي”، وهو مصطلح يتكون من كلمتي “هانا” وتعني زهرة، و”مي” وتعني النظر، مشيرة إلى أن هذا الطقس الوطني يبلغ ذروته مع موسم التفتح؛ حيث لا يُكتفى فيه بالنظر من بعيد، بل ينبغي الاقتراب من غصن واحد على الأقل لتأمل تفاصيله الدقيقة، والانغماس في شعور يمزج بين البهجة والإعجاب، مع مسحة من حزن خفيف على جمال يوشك على الزوال.
المصدر: RT

