أبوظبي – “العموم نيوز”:
لم تعد مكانة أبوظبي في مشهد الطاقة العالمي محصورة في دورها التقليدي كمصدر رئيسي للنفط والغاز، بل أصبحت العاصمة التي تُصاغ فيها ملامح المنظومة الطاقية المستقبلية. ومع انطلاق الدورة الثانية والأربعين لمعرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول “أديبك 2026″، يتبلور تحول هيكلي في مقاربة أمن الإمدادات الإقليمي والدولي، متحولاً من مجرد القدرة على الاستخراج والإنتاج إلى منظومة متكاملة ترتكز على المرونة اللوجستية، وتأمين سلاسل التوريد، وتسخير الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة العمليات وخفض التكاليف التشغيلية.
“أديبك 2026”: منصة دولية لصناع القرار والتقنية
تستقطب النسخة الحالية مشاركة واسعة تضم أكثر من 20 وزيراً من مختلف قارات العالم، إلى جانب قيادات قطاعات الطاقة، والتمويل، والتكنولوجيا الرقمية العالمية؛ ممثلين لشركات كبرى مثل “أدنوك”، و”بي بي”، و”شل”، و”سيمنس”، و”إيني”، و”أوكسيدنتال”، و”إكوينور”، و”إس إل بي”، وسط مساعٍ مشتركة لمواكبة التحولات العميقة في أسواق الطاقة العالمية.
خمس أولويات استراتيجية لصدمات المستقبل
وفي كلمته الافتتاحية، وضع الدكتور سلطان أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لـ “أدنوك” ومجموعة شركاتها، خمس أولويات جوهرية لتحصين قطاع الطاقة ضد الصدمات المستقبلية، مبيناً أن الإمدادات تفقد قيمتها إن لم تصل بفاعلية إلى الأسواق المستهدفة. وتتمثل هذه الأولويات في:
توسعة قدرات التخزين الاستراتيجي لضمان إمدادات يسهل الوصول إليها.
تأمين مسارات تجارية آمنة مدعومة بمنظومات لوجستية متقدمة.
توظيف الذكاء التشغيلي لبناء شبكات طاقة ذكية تخفض تكلفة إنتاج البرميل.
تعزيز منظومة التمويل والتأمين لجذب رؤوس الأموال الاستثمارية.
الاستثمار في الكوادر البشرية بوصفها الضامن الأساسي لاستمرارية العمليات.
وأكد الدكتور الجابر أن صمود الإمارات في وجه اضطرابات الأسواق يعكس نجاح نموذجها المستند إلى الحوار، والحلول الدبلوماسية، والسياسات الاستشرافية للقيادة الرشيدة في تطوير محفظة “XRG” الدولية وتكامل منظومات التداول والخدمات اللوجستية.
شراكة نوعية: “الذكاء الاصطناعي الصناعي” يدخل الحقول
على الصعيد التشغيلي، شكل المؤتمر مسرحاً لإعلان شراكة استراتيجية غير مسبوقة تمتد لعدة سنوات بين “أدنوك”، و”أوبن إيه آي”، و”جي42″، لتصبح “أدنوك” بموجبها أول شركة طاقة عالمياً توظف منصة “أوبن إيه آي” المتقدمة لربط وكلاء الذكاء الاصطناعي وتنسيق العمليات التشغيلية الدقيقة.
وتركز المرحلة الأولى للشراكة على محورين أساسيين: أولهما دمج دراسات العمليات تحت السطحية والمنشآت مع الجوانب الاقتصادية في منصة موحدة لتخطيط الحقول، وثانيهما تحديد القيمة الاقتصادية للبرميل في باطن الأرض فورياً عبر ربط البيانات بكامل سلسلة القيمة لتوقع اتجاهات العرض والطلب وهوامش الربح.
من جانبه، أشار سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي”، إلى أن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدم بالبنية التحتية السيادية س يمكن “أدنوك” من تسريع وتيرة الأعمال وتعزيز كفاءة اتخاذ القرار عبر سلسلة القيمة الطاقية.
قراءة اقتصادية: من وفرة الموارد إلى إدارة المعرفة
يؤكد الخبير الاقتصادي والباحث الأكاديمي جمال بن سيف الجروان أن أبوظبي ترسي نموذجاً مستداماً يجمع بين أمن الطاقة، والتحول الرقمي، والاستثمارات العالمية عبر محاور خمسة تشمل تنويع مصادر الطاقة (النفط، الغاز، الطاقة الشمسية، والهيدروجين منخفض الكربون)، والتوسع الاستثماري، والابتكار التقني، والشراكات الدولية. وأوضح الجروان أن القوة الاقتصادية للدول لم تعد تقاس باحتياطياتها المادية فحسب، بل بقدرتها على إدارة هذه الموارد بأدوات المعرفة والذكاء الاصطناعي.
وفي ذات السياق، يرى الخبير الاقتصادي حسين القمزي أن أمن الطاقة المعاصر يُبنى كسلسلة متكاملة “من البئر إلى المستهلك”، تتطلب تكاملاً تاماً بين البنية التحتية، وطرق النقل الآمنة، والأمن السيبراني، والتنبؤ الاستباقي بالمخاطر لضمان وصول الطاقة بتكلفة تنافسية في مختلف الظروف، مما يكرس مكانة أبوظبي شريكاً محورياً في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي.