لندن: محمد الطّورة
من يسرق المال العام يسرق مستقبل الوطن
في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن الفساد والفاسدين في مؤسسات الدولة… جزءًا من النقاش العام. العديد من المواطنين يتحدثون به في المجالس العامة وعبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التحول في النقاش يشير إلى وجود وعي متزايد بالقضايا المتعلقة بالفساد وكيف تؤثر على سمعة الوطن خاصة أمام الدول المانحة.
الأمر اللافت والمستغرب هو أن العديد من كبار رجال الدولة السابقين، الذين كانوا يتمتعون بالسلطة والصلاحيات المطلقة في مؤسساتهم، أصبحوا يتحدثون عن الفساد بشكل صريح في وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي. هؤلاء الأشخاص، الذين كان يقع على عاتقهم مسؤولية محاربة الفساد، هم من يُظهرون اليوم استياءً واضحاً من الوضع الحالي. ولعل الأكثر إثارة هو أن هؤلاء …، بدأو بعد ترك مناصبهم يسوقون أنفسهم على أنهم الأكثر حرصاً على مصلحة الوطن والأقدر على كشف الفساد وإيقافه ومحاسبة المتورطين فيه.
الفساد لم يعد مجرد خلل إداري عابر أو تجاوز فردي يمكن احتواؤه بالصمت أو التبرير، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى جريمة وطنية مكتملة الأركان، تنخر في جسد الدولة من الداخل، وتضرب أسس العدالة، وتبدد مقدرات الشعوب، وتشوّه صورة الدول أمام العالم. لقد أصبح الفساد، وبخاصة حين يصدر عن كبار المسؤولين وأصحاب النفوذ، أخطر من أي تهديد خارجي، لأنه يُمارس باسم الدولة وضدها في آنٍ واحد.
كم هو صعب ومؤثر في النفس أن تسمع كمواطن تصاعد الحديث محليًا ودوليًا عن انتشار الفساد في بعض مؤسسات الدولة، ولا سيما حين تعتمد الدولة بشكل جزئي أو كلي على المساعدات الخارجية، إنتشار لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكم طويل من غياب المساءلة، وضعف المحاسبة، وتحويل المناصب العامة إلى أدوات للثراء الشخصي. هذا الواقع لم يمر مرور الكرام على الدول المانحة، التي باتت تنظر بريبة إلى مصير أموالها، ووجدت في الفساد مبررًا واضحًا لتجميد المساعدات أو وقفها، بحجة أنها لا تصل إلى مستحقيها ولا تخدم الشعوب كما خُصصت من أجلها.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ إذ لم يدفع ثمن الفساد من تلطخت أيديهم بالمال العام، بل دفعه المواطن البسيط، الذي تقلصت فرصه، وارتفعت أعباؤه المعيشية، وتراجعت الخدمات الأساسية التي كان يفترض أن تُموّل من تلك المساعدات.
إن الفساد لم يسرق المال فقط، بل سرق الثقة، والأمل، ومستقبل الأجيال القادمة، ووسّع الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
إن استمرار هذا النزيف الخطير يعني أن الدولة تقف على حافة فقدان مصداقيتها بالكامل، داخليًا وخارجيًا. وعليه، فإن أي حديث عن الإصلاح دون مواجهة حقيقية وجذرية للفساد، ودون إجراءات ملموسة وعلنية، لا يعدو كونه شعارات مستهلكة ومحاولات لشراء الوقت على حساب الوطن ومصالحه العليا.
وفي مقدمة ما يجب فعله، دون مواربة أو تأجيل، التفعيل الفوري والصارم لقانون “من أين لك هذا”، ليشمل كل من شغل منصبًا عامًا، وخصوصًا كبار المسؤولين وصنّاع القرار، مع فتح ملفات الثروات المشبوهة بلا خطوط حمراء أو أسماء محصنة. فالمناصب العامة ليست امتيازًا شخصيًا، والخدمة الوطنية ليست بوابة لنهب المال العام أو التحايل على القانون.
كما أن سنّ القوانين لم يعد كافيًا ما لم تُرفق بتطبيق حازم وعقوبات قاسية ورادعة تُنفّذ بشفافية، وتطال كل من يثبت بحقه فساد أو شبهة تطاول على المال العام، أيًا كان موقعه أو نفوذه. فالدولة التي تتردد في محاسبة الفاسدين تُرسل رسالة سلبية مفادها أن القانون ضعيف، وأن العدالة انتقائية، وأن الفساد قابل للتفاوض.
إن استعادة ثقة المجتمع الدولي، وعودة الدول المانحة إلى تقديم الدعم المالي والعيني، لن تتحقق عبر البيانات الدبلوماسية أو الوعود الإنشائية، بل من خلال أفعال ملموسة تثبت أن المال العام مصان، وأن الفساد لم يعد محميًا سياسيًا أو إداريًا. وعندها فقط يمكن استعادة الثقة بالسياسات المالية والنقدية، وتهيئة بيئة مستقرة وجاذبة للدعم والاستثمار.
وفي هذا الإطار، تقع المسؤولية الوطنية والأخلاقية الكبرى على من يمنحه رأس الدولة الثقة لمتابعة شؤون البلاد والعباد، بوصفه الضامن الأعلى لسيادة القانون وحماية المال العام. فلم يعد مقبولًا التباطؤ أو التساهل أو تدوير الوجوه ذاتها. المطلوب اليوم، وبصورة عاجلة، الضرب بيدٍ من حديد على أيدي الفاسدين وشبكاتهم، واجتثاثهم من مفاصل الدولة، بالتوازي مع الدفع بوجوه وطنية جديدة، مشهود لها بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية، لتولي المناصب الحساسة، لا سيما تلك المرتبطة بالشأن المالي والاقتصادي.
ختامًا، الفساد ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لغياب الإرادة السياسية والرقابة الصارمة. فإما مواجهة حقيقية تعيد للدولة هيبتها، وللمواطن ثقته وكرامته، وإما استمرار الانحدار نحو فقدان الثقة والعزلة المالية. وفي هذه المعركة المصيرية، الحياد خيانة، والصمت تواطؤ، والتأجيل جريمة بحق الوطن والمستقبل.

