العموم نيوز: لم يكن تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أمس الأحد، مجرد تغيير في أحد أكثر المناصب حساسية في منظومة الحكم الإيرانية.
فالرجل الذي أمضى الجزء الأكبر من حياته داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وقاد الحرس الثوري خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، يعود اليوم إلى قلب صناعة القرار الأمني في البلاد، في مرحلة شديدة الحساسية تعقب الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتداخل فيها حسابات التهدئة والتفاوض مع هواجس الاستعداد لجولة جديدة من المواجهة.
وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تعيين رضائي خلفاً لمحمد باقر ذو القدر، الذي انتقل إلى منصب مستشار سياسي للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي.
ويأتي التغيير بينما لا تزال قضية مضيق هرمز والمفاوضات مع الولايات المتحدة في صدارة الحسابات الإيرانية، وسط حديث عن ترتيبات لإدارة حركة الملاحة في المضيق وشروط إيرانية تتعلق بالعقوبات والتعويضات والوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
مجلس يتجاوز الحكومة
لفهم دلالة التعيين، لا بد أولاً من النظر إلى المؤسسة التي يتولاها رضائي. فالمجلس الأعلى للأمن القومي هو أعلى هيئة إيرانية لتنسيق سياسات الأمن والدفاع، وينص الدستور على رئاسة رئيس الجمهورية له، فيما تضم تركيبته أبرز القيادات السياسية والعسكرية والأمنية في الدولة.
لكن قرارات المجلس لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة المرشد الأعلى، وفق المادة 176 من الدستور. ولذلك، فإن أمين المجلس لا يعمل ببساطة كمسؤول تابع للرئيس، بل يتحرك في مساحة تتقاطع فيها مؤسسة الرئاسة مع الحرس الثوري والجيش والأجهزة الأمنية ومكتب المرشد.
وهذه النقطة تجعل اختيار رضائي ذا دلالة أكبر؛ فهو ليس شخصية عسكرية سابقة فحسب، بل أحد أبناء الجيل الذي أسس منظومة القوة الصلبة للجمهورية الإسلامية.
رجل من زمن الحرب
وُلد محسن رضائي عام 1954، والتحق في شبابه بالنشاط المعارض للشاه قبل الثورة، ثم أصبح أحد أبرز قادة الحرس الثوري. وتولى قيادة الحرس بين عامي 1981 و1997، وهي الفترة التي كان فيها الجهاز يتحول من قوة ثورية إلى مؤسسة عسكرية وأمنية ضخمة.
وخلال الحرب العراقية الإيرانية، كان رضائي من أبرز صانعي القرار العسكري الإيراني، وقاد عمليات كبيرة، بينها عملية السيطرة على شبه جزيرة الفاو عام 1986.
لكن التجربة نفسها تركت وراءها واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في مسيرته. ففي عام 1988 استعادت القوات العراقية الفاو في عملية عسكرية خاطفة، بعد نحو عامين من سيطرة إيران عليها. ونُقلت عن رضائي آنذاك عبارة مفادها أن استعادة الفاو لن تتم إلا بقنبلة نووية، وهي واقعة أكد رضائي لاحقاً رواية مشابهة لها، مبرراً العبارة بأنه كان يريد تضليل الجانب العراقي الذي قد يكون يتنصت على الاتصالات.
ولم تتوقف مراجعات رضائي لتجربة الحرب عند ذلك. ففي عام 2016 قال صراحة إن القوات الإيرانية لم يكن ينبغي لها دخول الأراضي العراقية بعد تحرير خرمشهر عام 1982، معتبراً أن قرار مواصلة الحرب كان خاطئاً من الناحية السياسية.
من الفاو إلى مضيق هرمز
هنا تبرز المفارقة الأهم في عودة رضائي، فالرجل الذي تشكل وعيه السياسي والعسكري في حرب استمرت ثمانية أعوام، يعود إلى موقع أمني رفيع في أعقاب حرب مختلفة تماماً في أدواتها وطبيعتها.
فالمواجهة الحديثة لا تُحسم بالقوات البرية وحدها؛ بل بالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والقدرة على جمع المعلومات وتحليلها، فضلاً عن الحرب الاقتصادية والإعلامية. ومن ثم فإن استدعاء قائد من جيل الحرب العراقية الإيرانية يمكن قراءته باعتباره رسالة إلى الداخل والخارج عن أولوية الأمن والاستعداد العسكري، أكثر من كونه إعلاناً تلقائياً عن العودة إلى الحرب.
وتزداد أهمية التعيين في ظل الوضع الراهن حول مضيق هرمز. فقد أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني شروطاً لإعادة فتح المضيق، من بينها رفع العقوبات وتعويضات الحرب وانسحاب القوات الأميركية من المنطقة، فيما تتواصل مساعٍ دبلوماسية للتوصل إلى ترتيبات مؤقتة للملاحة.
هل اكتمل قوس الحرب؟
قد يكون من المبكر القول إن تعيين رضائي يعني أن إيران اختارت الحرب على التفاوض. لكن الأوضح أن طهران أعادت إلى واجهة القرار الأمني شخصية تنتمي بعمق إلى المؤسسة العسكرية، وتملك خبرة طويلة في إدارة الأزمات والصراعات.
ويكتسب الأمر دلالة إضافية لأن رضائي كان، حتى وقت قريب، مستشاراً عسكرياً للمرشد، كما ظل حاضراً في دوائر القرار رغم انتقاله منذ سنوات من القيادة العسكرية إلى العمل السياسي والتنفيذي. وفي مارس/آذار الماضي عُيّن مستشاراً عسكرياً للمرشد في خضم الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
لذلك، يمكن النظر إلى تعيينه باعتباره محاولة لإعادة وصل الحاضر بالماضي: قائد حرب قديم يعود لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، فيما لم تُحسم بعد طبيعة العلاقة مع واشنطن، ولا مستقبل الترتيبات حول هرمز.
لكن المفارقة أن العالم الذي صنع رضائي قائداً عسكرياً في ثمانينيات القرن الماضي لم يعد موجوداً. فالمعادلة العسكرية تغيرت، وكذلك طبيعة الردع والحرب. وإذا كانت طهران تستدعي رضائي باعتباره رمزاً للصلابة والخبرة العسكرية، فإن التحدي أمامه اليوم سيكون مختلفاً: كيف تُدار قوة عسكرية هائلة تحت ضغط اقتصادي وسياسي وتقني، وكيف يمكن تحويل تجربة الحرب إلى استراتيجية تمنع تكرار أخطائها؟
في النهاية، رضائي ليس مجرد رجل عاد إلى الواجهة؛ إنه يمثل مرحلة كاملة من تاريخ الجمهورية الإسلامية. ولذلك فإن تعيينه قد يكون رسالة مفادها أن إيران تريد أن تدخل مرحلة ما بعد الحرب بعقل أمني أكثر صلابة. لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان “قوس الحرب” قد اكتمل، بل ما إذا كانت طهران تريد أن تجعل من تجربة الحرب الأخيرة نقطة نهاية لمسار المواجهة، أم نقطة انطلاق لمرحلة جديدة منها.