العموم نيوز – لندن: محمد الطّورة
ليست كل كلمات المديح متشابهة، كما أن قيمة الشهادة في الرجال لا تُقاس بعدد الكلمات التي تُقال، وإنما بمن يقولها، وما إذا كانت قد خرجت من معرفة حقيقية وتجربة مباشرة.
ومن هنا، يستحق المنشور الذي تداولته صفحة «مناسبات وأخبار معان في جميع المحافظات»، والذي حمل شهادة تقدير ومحبة بحق عطوفة الأستاذ سامي علي أبو طويلة ، وقفةً تتجاوز عبارات الإشادة العابرة.
فالرجل الذي تتحدث عنه هذه الشهادة ليس غريبًا عن المكان، ولا شخصية بعيدة عن محيطها الاجتماعي؛ إنه أحد أبناء محافظة معان، عرفه أهلها، وعرفوا مسيرته، وعرفوا موقعه في الحياة العامة، قبل أن يغادر الوظيفة الرسمية ويتجه إلى مجال الأعمال الحرة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الشهادة.
أن يشهد لك أبناء المكان الذي تنتمي إليه، فهذه شهادة من نوع مختلف.
ففي المجتمعات المحلية، يعرف الناس بعضهم بعضًا عن قرب، وتكون المسافات بين الحقيقة والصورة أقل بكثير مما هي عليه في فضاءات أخرى. ولذلك فإن إشادة أبناء المحافظة بأحد أبنائها لا يمكن فصلها عن معرفتهم بشخصيته ومواقفه وعلاقاته وتعاملاته على مدى سنوات.
وربما تكون المفارقة اللافتة أن المجتمعات المحلية كثيرًا ما تعرف ظاهرة أخرى؛ وهي أن المنافسة الاجتماعية، أو اختلاف المصالح، أو الغيرة أحيانًا، قد تجعل أبناء المنطقة أكثر تحفظًا في الإشادة بأحد أبنائها.
لكن عندما تأتي الشهادة بعفوية ووضوح، وعندما تتحدث عن المبدأ والوفاء والموقف والكرامة وحفظ العِشرة، فإنها تصبح جديرة بالانتباه، ليس باعتبارها مديحًا لشخص، وإنما باعتبارها تعبيرًا عن صورة تركها ذلك الشخص لدى من عرفوه.
الرجل الذي لم تنتهِ حكايته بانتهاء الوظيفة
وهنا نصل إلى جانب آخر لا يقل أهمية.
فالمناصب، مهما علت، تبقى مواقع مؤقتة، والوظيفة العامة مرحلة من مراحل حياة الإنسان وليست كل حياته.
خبرة وطنية تشكل رصيدًا للمستقبل
ولعل من المهم، عند الحديث عن مسيرة أبي علي، ألا نغفل جانبًا أساسيًا من تجربته، وهو سنوات خدمته في إحدى مؤسسات الدولة المهمة؛ وهي تجربة مهنية ووطنية لا يمكن اختزالها بمجرد سنوات قضاها في الوظيفة.
فالعمل في مؤسسة وطنية بهذا المستوى يمنح صاحبه معرفة عميقة بطبيعة العمل المؤسسي، ويكسبه خبرة في التعامل مع الملفات والمسؤوليات، وفهمًا أوسع لطبيعة الدولة وآليات العمل فيها، فضلًا عما يتيحه الاحتكاك المستمر بالعمل العام من تراكم معرفي وخبرة عملية.
ومن هنا، فإن الخبرة التي راكمها أبو علي خلال سنوات خدمته في مؤسسات الدولة تمثل، دون شك، رصيدًا نوعيًا يضاف إلى شخصيته ومسيرته، ولا تنتهي قيمته بمجرد مغادرته الوظيفة.
بل إن مثل هذه الخبرات تظل حاضرة في شخصية صاحبها، وتجعله أكثر قدرة على فهم المسؤوليات العامة والتعامل معها، ويمكن أن تشكل إضافة نوعية لأي موقع أو مهمة قد تُسند إليه مستقبلًا، سواء في المجال العام أو في مجالات العمل والمجتمع.
فالدولة لا تستفيد من أبنائها فقط خلال وجودهم خلف المكاتب الرسمية، وإنما تستفيد أيضًا من الخبرات التي يراكمونها ثم يحملونها معهم إلى مواقعهم الجديدة.
قد يستقيل الإنسان من منصبه، وقد ينتقل من العمل الرسمي إلى القطاع الخاص أو إلى الأعمال الحرة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن علاقته بالشأن العام قد انتهت، أو أن انتماءه الوطني أصبح مرتبطًا ببطاقة وظيفية أو بمسمى رسمي.
واللافت في حالة أبي علي، وفق ما يعكسه من عرفوه وما جاء في الشهادة المنشورة بحقه، أن انتقاله من الوظيفة الرسمية إلى الأعمال الحرة لم يلغِ حضوره الاجتماعي والوطني.
فالمخلصون من أبناء الوطن لا يتوقف انتماؤهم عند أبواب المؤسسات التي يعملون فيها؛ وإنما يحملون هذا الانتماء معهم أينما ذهبوا.
وهذه نقطة مهمة في فهم شخصية الرجل.
فأن تترك الوظيفة لا يعني أن تترك الوطن، وأن تنتقل إلى الأعمال الحرة لا يعني أن تنسحب من الحياة العامة، كما أن انتهاء المسؤولية الوظيفية لا يعني انتهاء المسؤولية الأخلاقية والوطنية.
ومن هذه الزاوية، فإن استمرار أبي علي في التعبير عن انتمائه لوطنه، ودفاعه عن الأردن ومنجزاته، وتمسكه بالثوابت الوطنية والولاء للعرش الهاشمي، هو امتداد لمسار لا يرتبط بالمنصب بقدر ما يرتبط بالقناعة والانتماء.
شهادة من معان.. ومعان تعرف رجالها
ولأن الحديث هنا عن رجل من معان، فإن للمكان خصوصيته.
معان ليست مجرد اسم على خارطة الأردن؛ إنها مجتمع يعرف أبناءه، ويحفظ سيرتهم، ويتذكر مواقفهم، ويعرف الفارق بين الصورة التي تُصنع بالكلمات والصورة التي تصنعها السنوات.
ولذلك، فإن شهادة أبناء معان لأحد أبنائها تحمل قيمة رمزية خاصة.
فهي تقول، قبل أي شيء آخر، إن الرجل ترك في محيطه ما يستحق أن يُذكر.
وأنا، شخصيًا، كنت قد تعرفت إلى عطوفة أبي علي من خلال صديق مشترك، وكانت تلك المعرفة سببًا في تكوين انطباع شخصي إيجابي عنه. ومن هنا، فإنني أجد نفسي أضم صوتي إلى أصوات أبناء محافظتي العزيزة معان، وأؤكد تقديري لما جاء في شهادتهم بحقه.
ليس لأن الرجل يحتاج إلى شهادة مني، وإنما لأنني أرى أن من حق الكلمة الطيبة أن تُقال عندما تكون هناك مناسبة تستحقها.
المواقف.. حين تتحدث بعيدًا عن الألقاب
أجمل ما في الشهادة المنشورة أنها لم تعتمد في وصف أبي علي على موقعه السابق أو على لقب حمله، وإنما ركزت على صفات تتجاوز الوظيفة: المبدأ، والوفاء، والكرامة، وثبات الموقف، وحفظ الكلمة.
وهذه صفات لا يمكن للإنسان أن يشتريها بمنصب، ولا يستطيع أن يحتفظ بها بمجرد لقب.
فاللقب قد يمنح الإنسان حضورًا مؤقتًا، لكن الموقف هو الذي يمنحه مكانة في ذاكرة الناس.
والوظيفة قد تمنح صاحبها صلاحية، لكن حسن التعامل هو الذي يمنحه محبة.
أما الكلمة، فإن قيمتها لا تأتي من قائلها فقط، وإنما من مدى التزامه بها عندما تتغير الظروف.
ومن هنا، فإن ما كتب عن أبي علي يستحق أن يُقرأ في هذا السياق تحديدًا.
رجل غادر الوظيفة.. ولم يغادر الوطن
في النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم في قصة أبي علي أن المسيرة الوطنية لا تنتهي بانتهاء الوظيفة.
فالوطن لا يحتاج إلى أبنائه فقط عندما يكونون خلف المكاتب الرسمية، وإنما يحتاج إليهم أيضًا وهم في ميادين الاقتصاد والعمل الحر والمجتمع، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ بما يستطيع.
وقد يكون الإنسان أكثر قدرة على خدمة مجتمعه في مرحلة ما بعد الوظيفة، عندما يصبح أكثر استقلالًا في خياراته، وأوسع حركة في علاقاته، وأكثر اتصالًا بالمجتمع ومصالحه اليومية.
ومن هنا، فإن بقاء أبي علي قريبًا من قضايا وطنه ومجتمعه، واستمراره في التعبير عن ولائه وانتمائه للأردن وقيادته الهاشمية، يؤكد أن الوظيفة كانت محطة في مسيرته، وليست تعريفًا كاملًا لشخصيته.
وفي المحصلة، لا نحتاج إلى أن نرفع أحدًا فوق الناس، ولا إلى أن نصنع من أي شخصية صورة لا تحتمل النقد؛ فذلك ليس جوهر المسألة.
جوهر المسألة ببساطة أن أبناء المكان تحدثوا عن أحد أبنائه بكلمات محبة وتقدير.
وهذه، في حد ذاتها، شهادة لها معناها.
فحين يشهد لك أهلك وناسك، بعد سنوات من المعرفة والتعامل، فإن الكلمات تصبح أكثر من مجرد منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
تصبح جزءًا من السيرة.
والسيرة لا تصنعها الألقاب.
السيرة تصنعها المواقف.
وما دام أبناء معان قد اختاروا أن يقولوا كلمتهم في أبي علي، فمن حق هذه الكلمة أن تُسمع، ومن حق الرجل أن يُقال له:
شكرًا على ما قدمت، وكل الاحترام لما تركته من أثر طيب في نفوس من عرفوك.