العموم نيوز: 26 شباط 2026- همّةٌ تلامس السماء، وإرادةٌ هاشميةٌ لا تعرف التراجع، وقائدٌ امتلك شجاعة الحسم وبعد النظر، فكتب بقراره صفحةً مضيئةً في سجل الوطن. هكذا جاء قرار تعريب قيادة الجيش العربي، لحظةً فارقةً في تاريخ الدولة الأردنية، انتقلت فيها المملكة من استكمال أركان الاستقلال إلى تثبيت السيادة الكاملة على أرضها ومؤسساتها، مؤكدةً أن القرار الوطني لا يُستورد، بل يُصاغ بإرادةٍ حرّةٍ واعية.
لقد آمن جلالة الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، منذ سنوات حكمه الأولى، بأن الجيش العربي ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل هو رمز الكرامة الوطنية وحارس المنجزات. وكان يدرك أن هذه المؤسسة لن تبلغ ذروة عطائها ما لم تكن قيادتها نابعةً من أبناء الوطن أنفسهم، يحملون همّه، ويجسّدون انتماءه، ويؤمنون برسالته في الدفاع عن الأرض والهوية.
وبرؤيةٍ استشرافية، رأى الحسين أن استمرار القيادة الأجنبية على رأس الجيش يشكّل انتقاصًا من السيادة، ويقيّد تطوّر المؤسسة العسكرية. ومن هنا، بدأ التفكير الجاد بإعادة صياغة بنية القوات المسلحة على أسس وطنية خالصة، تضمن الاحتراف والكفاءة، وتكرّس الولاء للوطن وقيادته.
وقد عبّر جلالته عن هذا التوجّه بوضوح في كتابه مهنتي كملك، مؤكدًا أن تمكين الأردنيين ومنحهم مسؤوليات أكبر هو الطريق لترسيخ الثقة بالنفس وتعزيز روح العزة القومية، وفي مقدمة تلك المسؤوليات قيادة الجيش العربي.
وفي الأول من آذار عام 1956، جاء القرار الحاسم بإنهاء خدمات الجنرال البريطاني جون باغوت كلوب، المعروف بـ”كلوب باشا”، ومعه بقية القيادات الأجنبية، ليبدأ عهد جديد عنوانه سيادة القرار الوطني. لم يكن الأمر مجرد تغيير إداري، بل إعلانًا صريحًا بأن الأردن دولة كاملة الإرادة، وجيشها لأبنائها وقيادته حقٌّ خالصٌ لهم.
وبموجب القرار الملكي، جرى تعيين الزعيم راضي حسن عناب رئيسًا لأركان حرب الجيش العربي بعد ترفيعه إلى رتبة أمير لواء، ليكون أول أردني يتولى هذا المنصب، في خطوةٍ دشّنت مرحلة القيادة الوطنية للمؤسسة العسكرية.
في صباح اليوم التالي، حملت الإذاعة صوت الحسين معلنًا القرار، فعمّت مشاعر الفخر أرجاء الوطن، واستقبل الأردنيون الخبر باعتزاز كبير، إذ رأوا فيه تجسيدًا عمليًا لمعنى الاستقلال الحقيقي، وترجمةً فعليةً لسيادة الدولة على أهم مؤسساتها.
وقد أطلق قرار التعريب مسارًا جديدًا في تطوير القوات المسلحة، ففُتحت أبواب القيادة أمام الكفاءات الوطنية، وبرزت أسماءٌ عسكرية أثبتت جدارتها في ميادين الدفاع عن الوطن، وعلى ثرى فلسطين، وفي مختلف مواقع الشرف. كما أسهم القرار في ترسيخ مدرسة عسكرية أردنية قائمة على الانضباط والاحتراف والعقيدة الواضحة، حتى غدت القوات المسلحة محل تقدير على المستويين الإقليمي والدولي.
ولم يتوقف أثر التعريب عند حدوده الزمنية، بل شكّل الأساس لبناء جيشٍ حديثٍ قادرٍ على مواكبة التطورات، ومشاركٍ فاعلٍ في مهام حفظ السلام الدولية، وحاملٍ لرسالة إنسانية من خلال المستشفيات الميدانية والواجبات الأممية.
وعلى النهج ذاته، واصل جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، مسيرة التطوير والتحديث، فعمل على تعزيز الجاهزية العملياتية، وتحديث منظومات التسليح، والاستثمار في العنصر البشري عبر التدريب والتأهيل وفق أرقى المعايير العالمية. وشهدت القوات المسلحة في عهده عملية إعادة هيكلة شاملة هدفت إلى رفع الكفاءة، وتطوير أنظمة القيادة والسيطرة، وتعزيز المرونة في مواجهة التحديات المستجدة.
كما ركّزت مسارات التحديث على إدماج التقنيات المتقدمة، وبناء شراكات استراتيجية مع جيوش شقيقة وصديقة، بما يعزز قدرات الأردن الدفاعية ويسهم في دعم منظومة الأمن والاستقرار في المنطقة.
واليوم، في ذكرى تعريب قيادة الجيش العربي، يستعيد الأردنيون تلك اللحظة التاريخية بكل اعتزاز، باعتبارها محطةً أكدت أن الإرادة الوطنية حين تقترن بالعزم الصادق تصنع التحولات الكبرى. لقد كان التعريب قرار سيادة وبداية مرحلة جديدة من البناء، أسّس لجيشٍ محترفٍ ودولةٍ راسخة الأركان.
رحم الله الحسين، صاحب القرار الشجاع، وحفظ الأردن قويًا منيعًا بقيادة الملك عبدالله الثاني، وليبقَ الجيش العربي المصطفوي درع الوطن وسنده، وعنوان عزته وأمنه وأستقراره عبر الأجيال.
الأجيال.

