لندن: محمد الطّورة
تحمل سفارتا المملكة الأردنية الهاشمية في واشنطن ولندن مكانةً خاصة في نفسي؛ فهما ليستا مجرد مكانين عملت فيهما، بل محطتان عزيزتان في مسيرتي، ارتبطت بهما ذكرياتٌ جميلة، ومواقف أعتزّ بها، ووجوهٌ كريمة ما زالت تحتفظ بمكانتها في القلب والوجدان.
كلما تأملت هذين المكانين، عاد بي الحنين إلى أيامٍ أعتزّ بها، واستحضرت وجوهًا كريمة جمعتني بها زمالة العمل، وعلاقاتٌ إنسانية مميزة تجاوزت حدود الوظيفة لتصبح روابطَ من المحبة والاحترام والتقدير، بقي أثرها الطيب في النفس رغم المسافات وتعاقب السنوات. فالأماكن، مهما كانت جميلة، تستمدّ قيمتها الحقيقية مما شهدته من مواقف، وما احتضنته من ذكريات، وما جمعته من قلوبٍ وأرواح.
ولعلّ أجمل ما تحمله هذه الذكريات في نفسي هو استحضاري بكل فخر وامتنان الشرف الكبير الذي حظيت به في خدمة وطني الأردن، وملكي وقيادتي الهاشمية، وأبناء الأسرة الهاشمية الكريمة، وإخواني وأبناء وطني الأردني العزيز، من خلال عملي في قسم التشريفات والمراسم؛ تلك المسؤولية التي لم تكن بالنسبة لي مجرد واجبٍ وظيفي، بل كانت شرفًا وطنيًا أعتزّ به، ومحطةً مهمة في مسيرتي، ومدرسةً تعلّمت فيها الكثير عن معاني الانتماء والالتزام، ودقّة المسؤولية، وسموّ الخدمة في ظل القيادة الهاشمية.
لقد منحتني تلك التجربة فرصةً غالية لأداء واجبي تجاه وطني وقيادته، وللمساهمة في تمثيل الأردن بما يليق بتاريخه ومكانته، كما أتاحت لي العمل إلى جانب زملاء كرام أعتزّ بهم، جمعتني بهم مواقف وتجارب ومناسبات ستبقى محفورةً في الذاكرة، محفوظةً في القلب، ومصدرًا دائمًا للفخر والامتنان.
واليوم، وأنا أستعيد صور هذين المكانين في واشنطن ولندن، أشعر بمزيجٍ من الحنين والاعتزاز والوفاء؛ حنينٍ إلى أيامٍ مضت وبقي عبيرها في الذاكرة، واعتزازٍ بتجربةٍ أعدّها من المحطات المضيئة في حياتي، ووفاءٍ لكل من شاركني تلك الرحلة، وكان له أثرٌ طيب في مسيرتي الإنسانية والمهنية. وأبعث إلى زملاء الأمس، أينما كانوا، أصدق مشاعر المحبة والتقدير، متمنيًا لهم دوام التوفيق وطيب الحياة.
فبعض الأماكن لا تسكنها خطواتنا فحسب، بل تسكنها أرواحنا وذكرياتنا؛ وبعض التجارب لا تنتهي بانتهاء سنوات العمل، لأنها تظلّ وسامًا من الاعتزاز في القلب، وصفحةً مضيئة في سجلّ العمر. وقد نبتعد عن المكان، لكننا لا نبتعد عمّا تركه فينا من أثر، ولا عن الأشخاص الذين جعلوا أيامه أجمل، ولا عن رسالةٍ وطنية كان لنا شرف حملها وأداء واجبها.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أعبّر عن عميق امتناني وتقديري لموقع «العموم نيوز»، الذي أتاح لي فرصةً أعتزّ بها كثيرًا، ومنحني مساحةً رحبة أستطيع من خلالها أن أعبّر عمّا يختلج في القلب من حنين، وأن أستعيد بعض الأماكن واللحظات والمحطات التي عشتها في مسيرتي، وما ارتبط بها من ذكرياتٍ جميلة ومواقفَ لا تزال حاضرةً في وجداني.
ولعلّ ما أكتبه وأنشره من هذه الذكريات يتجاوز حدود الحنين الشخصي، ليكون رسالة وفاءٍ لكل مكانٍ عملنا فيه، ولكل مؤسسةٍ احتضنت خطواتنا المهنية، وأسهمت في بناء خبراتنا، وفتحت أمامنا أبواب الرزق الكريم، وأتاحت لنا فرص التعلم والتجربة واكتشاف العالم، فضلًا عمّا جمعَتنا به من زملاء وأصدقاء تركوا في حياتنا أثرًا طيبًا لا يُنسى.
فمن الوفاء أن نتذكّر الفضل لأهله، وأن نحفظ للأماكن التي شهدت بداياتنا واجتهاداتنا وعطاءنا مكانتها في نفوسنا، وألّا ننسى أن وراء كل تجربةٍ ناجحة محطاتٍ تستحق الامتنان، وأشخاصًا يستحقون التقدير، وفرصًا كان لها دورٌ في رسم ملامح الطريق الذي وصلنا إليه.
فالوفاء ليس مجرّد استعادةٍ للماضي، بل هو اعترافٌ بفضل ما مضى، وتقديرٌ لما أسهم في بناء حاضرنا، وخلقٌ أصيل نحمله معنا أينما حللنا وارتحلنا.
حفظ الله الأردن عزيزًا شامخًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ قيادته الهاشمية الحكيمة، وأدام بين أبناء الوطن روابط المحبة والوفاء، ووفّقنا جميعًا لمواصلة مسيرة العطاء والانتماء، وأن نبقى على الدوام أوفياء لوطنٍ نعتزّ به، وقيادةٍ نفخر بالانتماء إليها، وذكرياتٍ جميلة ستظلّ ما حيينا جزءًا من حكايتنا.
الأردن في القلب، والوفاء لا تغيّره المسافات، والذكريات الجميلة لا يطويها الزمن. 🇯🇴