يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: “إنّ الناس قد بنوا أكواخاً من عقائدهم، فلا تهدموها عليهم.. بل ابنوا لهم قصوراً؛ فإن دخلوها هدموا أكواخهم بأيديهم”.
لعل في هذه الحكمة درس عظيم في فنّ الاحتواء، قوامه أنّ القناعات الراسخة لا تُقتلع بالصدام، ولا تتبدّد تحت مطارق الاتهام، بل تتجاوزها العقول حين يُفتحُ لها أفقٌ أوسع، وحين تُبنى لها قصورٌ من الحقائق.
وفي المشهد الأردني الراهن، حيث يتصاعد الجدل حول تموضعات سياسية وانقسامات في الولاءات العابرة للحدود، يبدو أننا في أمسّ الحاجة لاستحضار تلك الآلية الفكرية.
فالفئة التي انحازت بوجدانها نحو سراب القوة الايرانية رُغم ما طال سيادة المملكة من شظايا الصواريخ وترويع الآمنين، لم تكن لتمضي في ذلك المسار لو وجدت أمامها خطاباً رسمياً مقنعا في اتساعه وعمقه.
إنّ المأزق الحقيقي لا يكمن في الفكرة التي يحملها خطابنا الرسمي بل في شحوب الأدوات التي تولّت شرح الموقف الوطني، وغياب الشخوص القادرة على ترقية الحوار من خانة التخوين إلى آليات الإقناع السليمة.
ومن المؤسف ان يترك العنان لمن اعتقد بانه يخدم الخطاب الرسمي برمي الاخرين بتهم العمالة وهي لغةٌ لا تزيد الساكن إلا تمسكاً بجدران كوخه المتهالك.
والحال أنّ حماية الدولة الأردنية وصون تاريخها في وجه الأطماع الخارجية، يتطلب خطاباً يأنف من السطحية والإنشائية..
خطاباً يبنيه مفكرون وسياسيون يدركون أنّ السيادة ليست مجرد شعارات ، بل هي أمنٌ شعبي ووعيٌ جماعي يُبنى بالصبر والمكاشفة.
إن الدعوة اليومَ موجهةٌ لكلّ عقلٍ وطنيّ بأن يستبدل معاول الهدم والاتهام و التخوين بهندسة الحوار البناء الذي يخدم الصالح العام، ذلك الحوار الذي لا يشعر فيه الآخر بالهزيمة، بل بالارتقاء نحو حقيقة اكثر جلاءً.
فمصلحة الأردن واستقراره هما السقف الذي يجب أن يظلل الجميع، وحين نتمكن من امتلاك الادوات الصحيحة في نشر الوعي الوطني ، يمكننا ان نقنع من يتمترس في كوخ معتقده
بأنّ مصلحة الأردن وسيادته هما القِبلة التي لا يضلّ عنها مخلص وان سقف الوطن هو الأبقى وهو الأسمى.

