لندن محمد الطّورة
بالأمس لم أكن في درس لغة، بل في امتحان معنى.
صديقٌ أجنبيّ يتعلّم العربية سألني سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في باطنه: كيف يمكن لكلمةٍ واحدة تُكتب بالحروف ذاتها أن تعني شيئين مختلفين تمامًا؟ ثم ضرب مثالًا من رمضان، حين تتردد على ألسنة الصائمين كلمة “السلطات”. إحداهن تقول إنها تحبّها، وأخرى تقول إنها لا تحبّها. عندها بدا السؤال لغويًا، لكنه في حقيقته كان فلسفيًا.
السَّلَطات… لذة الاختلاف المنسجم
السَّلَطات بفتح السين هي طبقٌ رمضانيّ يكاد لا يغيب عن موائد الإفطار.
ليست مجرد خضار مقطّعة؛ إنها اجتماع ألوان ونكهات: طماطم، خيار، بقدونس، زيت زيتون، ليمون.
كل مكوّن بمفرده عادي، لكن قيمته الحقيقية تظهر حين يمتزج بغيره. هنا يولد طعمٌ ثالث، ليس هو الطماطم وحدها ولا الخيار وحده، بل نتيجةُ انسجامٍ دقيق بين عناصر مختلفة.
السلطة بهذا المعنى ليست طعامًا فقط، بل استعارة للحياة:
التنوّع إذا أُحسن ترتيبه صار جمالًا، والاختلاف إذا ضُبط ميزانه صار لذّة.
السُّلُطات… ضرورة التوازن في الحكم
أما السُّلُطات بضمّ السين فهي شأنٌ آخر: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية.
هي الأركان التي يقوم عليها نظام الحكم، والتي تحدّث عنها الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو حين أكّد أن الفصل بين السلطات هو الضامن للتوازن ومنع الاستبداد.
وهنا أيضًا تتكرر الفكرة ذاتها:
القيمة ليست في وجود سلطة واحدة مطلقة، بل في تعدّدٍ منظم يراقب بعضه بعضًا.
فالسلطة الواحدة قد تتحول إلى طغيان، كما أن مكوّنًا واحدًا لا يصنع سلطةً شهية.
حين قال لي صديقي:
“أفهم من كلامك أن التسمية جاءت بسبب الخلطة بين مكوّنات كل من السلطتين؟”
أدركتُ أنه لم يعد يسأل عن اللغة فقط، بل عن الفكرة الكامنة خلفها.
ثم أردف بسؤالٍ أعمق:
“لو كانت السَّلَطات صنفًا واحدًا، هل تبقى محبوبة؟
ولو كانت السُّلُطات واحدة، هل سيحبها الناس أيضًا؟”
هنا يتقاطع المطبخ بالسياسة، واللغة بالفلسفة.
لو كانت السَّلَطة صنفًا واحدًا، لفقدت روحها. تصبح خيارًا مفرومًا… لا أكثر. تؤكل مرة، ثم تُملّ.
ولو كانت السُّلطة واحدة، لفقدت توازنها. يصبح القرار بلا رقيب، والحكم بلا ميزان.
المحبّة — سواء لطبقٍ على المائدة أو لنظامٍ في الدولة — لا تنشأ من الوحدة الصمّاء، بل من التنوّع المنظَّم.
الناس لا تكره السُّلُطات من حيث المبدأ، لكنها قد تكره اختلالها. كما لا تملّ السَّلَطات، بل تملّ رداءة خلطتها.
ربما لهذا أربكتني العربية لحظة السؤال؛ فهي لغةٌ تُذكّرنا بأن حركةً صغيرة — فتحة أو ضمّة — قد تغيّر المصير كله.
بين السَّلَطات والسُّلُطات فرقُ حركة، لكن بين المعنيين فرقُ عالم.
وهكذا، يا صديقي، ليست اللغة كلماتٍ تُحفظ، بل معانٍ تُعاش.
وحين تتقن العربية، ستكتشف أن حروفها لا تصف الواقع فقط، بل تشرحه… وأحيانًا تنتقده أيضًا.
الخلاصة… المحبة — سواء لطبق أو لنظام — لا تنشأ من الوحدة الصمّاء، بل من التعدد المنظم.

