لندن: محمد الطّورة
بين حق التساؤل المشروع والانزلاق إلى التأويل المسبق: كيف نقرأ الاستقالات في فضائنا العام؟
آلمني وأثار استغرابي، وأنا أتابع بصفتي مواطنًا أردنيًا مقيمًا في الخارج، وكرئيسٍ لمجلس إدارة موقع “العموم نيوز”، حجم ما طُرح من أحاديث وما رافقها من غمزٍ ولمزٍ وتساؤلاتٍ بدا أن كثيرًا منها لم يكن بريئًا، وذلك في تناول أسباب ودوافع إقالة شخصية وطنية أردنية، بعد مسيرة خدمة امتدت لأكثر من أربعة أعوام في موقعٍ بالغ الحساسية
في مشهدنا العام، لم تعد الاستقالة قرارًا إداريًا طبيعيًا، بل تحوّلت إلى حدث مشحون بالظنون، يُقرأ بين سطوره أكثر مما يُقرأ في نصّه. ما إن يعلن مسؤولٌ مغادرته لمنصبه، حتى تنطلق ماكينة التأويل: من أُجبر؟ من أُقيل؟ ما الذي خفي؟ وكأن البقاء في المنصب هو الأصل، والمغادرة استثناءٌ يستوجب التحقيق.
هذه النظرة تختزل الوظيفة العامة في مفهوم “الكرسي الأبدي”، بينما الحقيقة أبسط وأكثر إنسانية: كل موقع مؤقت، وكل مسؤول عابر. الاستقالة، في جوهرها، ليست فضيحة ولا هروبًا، بل قد تكون أرقى أشكال تحمّل المسؤولية؛ حين يدرك المرء أنه لم يعد قادرًا على الإضافة، أو أن المرحلة تتطلب غيره.
المفارقة أن كثيرًا من أشدّ المحللين قسوة في تفسير الاستقالات، هم أنفسهم مرّوا بتجربة مشابهة في حياتهم المهنية. لكنهم، حين تغيّر الموقع، تغيّرت المعايير. هنا تتجلى أزمة مزدوجة: أزمة ذاكرة، وأزمة إنصاف.
إن تحويل كل استقالة إلى قضية رأي عام مليئة بالاتهامات، لا يخدم الشفافية كما يُظن، بل يخلق بيئة طاردة للكفاءات. من يقبل بمسؤولية إذا كان يعلم أن خروجه – مهما كان طبيعيًا – سيُفسَّر كإدانة؟ ومن سيُقدم على قرار شجاع بالتنحي إذا كان الثمن تشويه سمعته؟
نحن بحاجة إلى إعادة ضبط البوصلة: ليس كل رحيل سقوطًا، وليس كل بقاء نجاحًا. الأهم هو الأثر، لا مدة البقاء. والأنضج مجتمعيًا أن نُفرّق بين المساءلة المشروعة، وبين الهوس بالتخمين.

