لندن: محمد الطّورة
بدافعٍ من وطنيّةٍ لا تهدأ، وحنينٍ يتجدّد كلما مرّ طيف عمّان في الذاكرة، وجدتُ نفسي مدفوعًا برغبةٍ جامحة للكتابة. ليست كتابةً عابرة، بل استجابةٌ لنداءٍ داخليّ يستحضر إرث الوطن العمراني، ورمزية مبانيه التي لم تكن يومًا حجارةً صامتة، بل شواهد حيّة على زمنٍ من العطاء والانتماء. ومن هنا، وعلى صفحات موقعي الإخباري «العموم نيوز» الصادر في لندن، أجدني أعود إلى ذلك المبنى الأزرق—مبنى دائرة المخابرات العامة القديم في العبدلي—لا لأرثيه، بل لأستعيد معناه، وأستنطق ذاكرته، وأعيده إلى مكانه الطبيعي في وجدان الوطن.
فذلك المبنى، الذي قد يراه البعض صفحةً طُويت من سجل المدينة، لم يكن في حقيقته سوى فصلٍ راسخ في سردية الأردن الحديثة؛ فصلٍ كُتب بجهود رجالٍ آمنوا أن خدمة الوطن شرفٌ لا يعلوه شرف. وحين أكتب عنه اليوم، فإنني لا أكتب عن بناءٍ أُزيل، بل عن رمزٍ لا يزال قائمًا في الضمير، وعن ذاكرةٍ ترفض أن تُختزل في الغياب.
في قلب العاصمة عمّان، حيث تتقاطع الذاكرة مع التحولات العمرانية، كان يقف ذلك المبنى الصامت كحارسٍ للتاريخ، لا يُعرَف فقط بوظيفته الأمنية، بل بما اختزنته جدرانه من قصص رجالٍ نذروا أنفسهم للوطن. مبنى دائرة المخابرات العامة الأردنية في العبدلي لم يكن مجرد منشأة حكومية؛ كان رمزًا لمرحلةٍ كاملة من تاريخ الدولة الأردنية، عنوانها الصلابة، والانضباط، والإخلاص في خدمة الوطن.
لقد شكّل هذا المكان، إلى جانب غيره من المواقع العسكرية والأمنية التي كانت تنتشر في المنطقة، جزءًا من ذاكرة أجيالٍ كاملة، عايشت التدريب والانضباط وبدايات التشكّل المهني والوطني. بالنسبة لي، لم يكن هذا المبنى غريبًا أو بعيدًا؛ بل كان حاضرًا في تفاصيل حياتي، خصوصًا خلال زياراتي إلى ابن العم المرحوم بإذن الله الفريق أول فيصل الطورة الشوبكي، الذي كان يعمل حينها ضابطًا في هذا المبنى . كانت تلك الزيارات تحمل في طياتها مزيجًا من الفخر والرهبة، حيث كنت ألمس عن قرب معنى الانتماء الحقيقي للمؤسسة والوطن.
وفي تلك الفترة، كنت أتنقل بين الوطن ومدينة أبو ظبي، حيث عملت في الدائرة الخاصة لسمو المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رجلٍ كان بدوره رمزًا للقيادة الحكيمة والعطاء. وبين عمّان وأبو ظبي، كانت تتشكل في داخلي صورة أوضح لمعنى الدولة، ومعنى أن يكون ويزداد هذا الحنين عمقًا لأن تلك المنطقة لم تكن مجرد محطة عابرة في حياتي، بل كانت مسرحًا لتجارب شكّلت جزءًا من وعيي المبكر؛ فقد درست المرحلة الثانوية في كلية الشهيد فيصل الثاني العسكرية، حيث تعلّمت معنى الالتزام والانضباط، كما تدربت لفترة من الوقت كمرشح شرطة في كلية الشرطة الملكية، وهناك تبلورت لديّ أولى ملامح المسؤولية الوطنية. لذلك، فإن حنيني إلى تلك البقعة من عمّان ليس مجرد حنين إلى مكان، بل إلى زمنٍ كثيف بالتجارب، وإلى مرحلةٍ كانت فيها الأحلام تتشكل على إيقاع الواجب، وتكبر على معنى الخدمة والانتماء. الإنسان جزءًا من منظومة تخدم شعبها بإخلاص.
اليوم، وبعد أن أُزيل ذلك المبنى ليحلّ مكانه مشروع استثماري ضمن خطة تطوير حديثة لمنطقة العبدلي، يقف الإنسان أمام مفارقة صعبة: بين ضرورات التحديث ومتطلبات التنمية من جهة، والحفاظ على الذاكرة الوطنية من جهة أخرى. فالمكان، وإن تغيرت ملامحه، يبقى حاضرًا في وجدان من عرفه وعاش تفاصيله.
إن هذا المبنى، بالنسبة للكثير من أبناء الأردن، لم يكن مجرد موقع أمني، بل كان رمزًا وطنيًا يجسّد مرحلة من العطاء والتضحية. ولهذا، فإن اقتراحي—كمواطن أردني—ينطلق من إيمان عميق بأهمية حفظ الذاكرة الوطنية: إقامة مجسّم كبير لهذا المبنى، بنفس مواصفاته المعمارية، في منطقة العبدلي في العاصمة عمان، ليكون شاهدًا بصريًا حيًا على تلك المرحلة.
ليس الهدف من هذا المجسّم مجرد استحضار شكلٍ معماري، بل إحياء قصة رجالٍ خدموا الوطن بصمت، بإخلاصٍ لا ينتظر ثناءً، وبعزيمةٍ لا تعرف التراجع. سيكون هذا المجسّم رسالة للأجيال القادمة، تقول لهم إن الأوطان لا تُبنى فقط بالحجر، بل تُبنى بالرجال، وأن خلف كل مؤسسة قصة كفاح تستحق أن تُروى.
في زمنٍ تتسارع فيه التغييرات، يصبح الحفاظ على الرموز الوطنية ضرورة ثقافية وتاريخية، لا ترفًا. فالأمم التي تنسى ذاكرتها، تفقد جزءًا من هويتها. أما تلك التي تُخلّد رموزها، فإنها تمنح أبناءها جذورًا أعمق، وانتماءً أكثر رسوخًا.
وهكذا، يبقى مبنى المخابرات العامة في العبدلي—رغم غيابه المادي—حاضرًا في الوجدان، شاهدًا على زمنٍ من الصدق في الانتماء، ومُلهمًا لفكرة أن الذاكرة الوطنية تستحق أن تُحفظ، لا أن تُمحى.

