لندن: محمد الطّورة
إشكالية البحث في النوايا والمواقف المسبقة: حين يتحول الظن إلى خطر يهدد مصلحة الوطن
حين يكتب الإنسان عن تجربة شخصية عاشها، فإنه لا يكتب من فراغ ولا بدافع الترف الفكري، بل يكتب بصدقٍ يعكس همًّا داخليًا نابعًا من حبٍ عميق لوطنٍ آمن به وانتمى إليه. هذه الكتابة لا تحرّكها المصالح الضيقة ولا الحسابات العابرة، بل تقودها رغبة صادقة في الإصلاح وخدمة المجتمع. ومن يكتب بهذا الوجدان الصافي لا يمكن أن يحيد عن هذا الحب مهما اشتدت حوله الظنون، ولا أن ينكسر أمام الأوهام، حتى وإن واجه مواقف مسبقة من بعض من نصّبوا أنفسهم أوصياء على الوطنية بحكم مواقعهم. فالوطن ليس ملكًا لفئة، ولا يُختزل في صوت واحد، بل هو مساحة مشتركة تتسع لكل من يعمل بإخلاص من أجله.
إن إشكالية البحث في النوايا تُعد من أخطر ما يمكن أن يتسلل إلى الوعي المجتمعي، لأنها تنقل النقاش من ميدان الفعل إلى متاهة الظنون. فبدل أن تُناقش الأفكار بموضوعية، يُستبدل ذلك بمحاكمات خفية للدوافع، وكأن البعض منح نفسه سلطة قراءة ما في الصدور. هذا المسار لا يؤدي إلا إلى إضعاف الحقيقة وتشويهها، ويغلق أبواب الحوار البنّاء، ليحل محله مناخ من الشك والتوجس.
وتتعمق هذه الإشكالية حين تتحول إلى سلوك عام أو ثقافة مؤسسية، حيث يُقابل النقد بالتخوين، وتُفسّر المبادرات بالارتياب، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا لا فرصة. في مثل هذه البيئات، لا يُعاقب الخطأ بقدر ما يُعاقب من يكشفه، ولا يُخشى الفساد بقدر ما يُخشى الصوت الذي يسلّط الضوء عليه. وتكمن الخطورة في ذروتها حين لا يكتفي البعض بإساءة الظن أو تبنّي مواقف مسبقة، بل يتجاوز ذلك إلى التأثير على الآخرين والتحريض غير المباشر ضد أشخاص بعينهم، عبر الدعوة إلى عدم التعاون معهم بناءً على الشك لا على الوقائع. ويبلغ الأمر مستوى أكثر خطورة حين يمتد هذا السلوك إلى محاولة تقييد النشر الإعلامي، ورفض إتاحة أي محتوى حتى لو وإن كان يشيد بالوطن وإنجازاته—لمجرد ارتباطه باسم معين. هنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يتحول إلى ممارسة أقرب إلى الإقصاء وفرض الأمر الواقع، بدوافع تفتقر إلى المنطق، ويمكن وصفها بأنها نوع من المناكفة التي تضر بالصالح العام أكثر مما تخدمه. فحين تُحجب الرسائل الإيجابية، وتُقيّد المساحات التي تُعبّر عن الإنجاز، لا يُعاقَب الفرد المستهدف بقدر ما يُحرم الوطن من صوت كان يمكن أن يسهم في تعزيز صورته وبناء الوعي الجمعي.
وترتبط هذه الظاهرة بجملة من الأسباب المتداخلة، من بينها ضعف الوعي النقدي، وتراكم التجارب السلبية التي تُعمّم بغير إنصاف، إلى جانب غياب الشفافية في بعض المؤسسات، الأمر الذي يفتح المجال أمام التأويلات والشكوك. كما تلعب التحيزات النفسية دورًا في ترسيخ هذا السلوك، إذ يميل الإنسان إلى تصديق ما يوافق قناعاته المسبقة، حتى وإن خالف الواقع.
أما آثار هذه الظاهرة فهي لا تقف عند حدود الأفراد، بل تمتد لتطال بنية المجتمع بأكمله. فحين تهتز الثقة، يضعف الانتماء، وحين يُساء الظن بالمخلصين، تنكمش الكفاءات أو تُقصى، فتخسر الأوطان طاقات كان يمكن أن تكون ركيزة في نهضتها. كما أن انتشار ثقافة الشك يغذي الشائعات، ويعمّق الانقسام، ويقوّض روح العمل المشترك.
ومعالجة هذه الإشكالية لا تكون بالشعارات، بل بتغيير حقيقي في منهج التفكير والسلوك. يبدأ ذلك بإعادة الاعتبار للفعل بدل النية، وبترسيخ مبدأ أن الأصل في الإنسان الصدق حتى يثبت العكس بالدليل، لا بالظن. كما أن تعزيز الشفافية داخل المؤسسات يحدّ من مساحة التأويل، ويفتح المجال لبناء الثقة. ويظل للإعلام والتعليم دور محوري في ترسيخ ثقافة الحوار، وتنمية القدرة على التمييز بين النقد والتشكيك، وبين الاختلاف والتخوين.
وفي ختام هذا الطرح، يبقى الوطن أكبر من أن يُختزل في أحكام مسبقة، وأسمى من أن يُحمى بسوء الظن بأبنائه. ومن يحب وطنه حقًا، لا يخشى الكلمة الصادقة، بل يخشى الصمت الذي يسمح للأخطاء أن تتراكم حتى تتحول إلى واقع يصعب تغييره. فالوطن لا يحتاج إلى أصوات تبرر، بل إلى ضمائر حيّة تُبادر بالإصلاح وتتحمّل مسؤولية الكلمة. وفي هذا المعنى العميق، تتجلى دعوة جلالة الملك عبدالله الثاني حين شدد على أهمية أن يرفع المواطن صوته إذا رأى أو سمع ما يسيء للوطن “إرفعوا صوتكوا”، لأن الأوطان القوية لا تُبنى بالصمت، بل بالشجاعة في قول الحق، وبالإيمان بأن النقد الصادق هو أحد أعمدة الولاء الحقيقي.
حمى الله الاردن وقيادته وشعبه من كل مكروه.

