لندن: محمد الطّورة
شهادة حق في زمن التحديات… الإمارات كما عرفتها
في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات وتختبر فيه المواقف، تبرز بعض العلاقات كحقائق راسخة لا تقبل المساومة، بل تزداد صلابة مع كل اختبار. ودولة الإمارات العربية المتحدة، بما تمثله من تاريخٍ في العطاء ومكانةٍ في الوجدان، ليست بالنسبة لي مجرد محطة عابرة في الذاكرة، بل تجربة حياة شكّلت الوعي ورسّخت معنى الوفاء. ومن هنا، تأتي هذه الكلمات شهادةً صادقة، تنطلق من عمق التجربة، وتعبّر عن موقفٍ لا يتبدّل تجاه وطنٍ أعطى الكثير، ويستحق أن يُرد له الجميل موقفًا وكلمة.
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، كنتُ شابًا في بداية طريقه، أحمل طموحاتي وأحلامي، حين سنحت لي فرصة ثمينة للعمل في أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، في الدائرة الخاصة للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. لم تكن تلك مجرد وظيفة عابرة، بل كانت تجربة إنسانية ومهنية تركت أثرًا عميقًا في نفسي، إذ وجدت نفسي في بيئة تحتضن الإنسان، وتقدّر الجهد، وتزرع في النفوس معاني الوفاء والانتماء.
ومنذ اللحظة الأولى، لم أشعر بالغربة، بل غمرتني رعاية كريمة واهتمام صادق من قيادات العمل وزملائه، فكانت تلك السنوات بمثابة مدرسة تعلمت فيها الكثير، واكتسبت خلالها خبرات لا تُقدّر بثمن، إلى جانب علاقات إنسانية ما زلت أعتز بها حتى اليوم.
لقد حظيتُ خلال عملي برعاية خاصة من مدير الدائرة آنذاك، المرحوم بإذن الله السيد عبد الله الهاشمي، المعروف بلقب “عبدالله العود”، الذي أولاني اهتمامًا أبويًا صادقًا، وكان يناديني باسم “الهاشمي” كوني أردنيًا، في لفتة تعبّر عن عمق الألفة وصدق المشاعر. كما تلقيت دعمًا ومساندة من المرحوم سيف بن معضد المشغوني، أبو معضد، الذي كان مثالًا في النخوة والوفاء، وامتدادًا حيًا لقيم الإمارات الأصيلة.
وفي تلك البيئة العامرة بالقيم، نسجت علاقات متينة مع إخوة أعزاء من أبناء الإمارات، الذين كانوا يحملون للأردن وقيادته كل تقدير ومحبة، ويبادلون الإخلاص بالإخلاص. وقد كان المواطن الأردني محل ثقة لما عُرف عنه من صدق وأمانة وتفانٍ في العمل، وهو ما رسّخ جسور الأخوة بين الشعبين على أسس راسخة لا تهزّها تقلبات الزمن.
واليوم، وبعد مرور كل هذه السنوات، أجد نفسي مدفوعًا بواجب الوفاء والضمير، لأن أقف موقف الكلمة الصادقة دفاعًا عن هذا البلد العزيز على قلبي، دولة الإمارات العربية المتحدة، في وجه ما تتعرض له من تحديات واعتداءات. فالإمارات لم تكن يومًا إلا سندًا وعونًا، ولم تتأخر عن نصرة الأشقاء، وفي مقدمتهم الأردن، الذي جمعته بها علاقات متينة ومتجذرة في عمق التاريخ.
لقد كانت تلك العلاقات ثمرة رؤية قيادية حكيمة، أرساها كل من الملك الراحل الحسين بن طلال، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث وضعا معًا أسس الأخوة الصادقة والتعاون البنّاء. وسار على هذا النهج بثبات كل من جلالة الملك عبد الله الثاني وأخيه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في تعزيز هذه الروابط وتطويرها بما يخدم مصالح البلدين ويصون وحدتهما في وجه التحديات.
وفي هذا المقام، لا يمكن إغفال الموقف الأردني المشرف، ملكًا وحكومةً وشعبًا، في الوقوف إلى جانب دولة الإمارات في مواجهة أي تهديد يستهدف أمنها واستقرارها، وهو موقف يجسد حقيقة الأخوة ويؤكد أن المصير واحد. كما جاءت زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني الأخيرة، ولقاؤه مع الشيخ محمد بن زايد والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رغم الظروف الدقيقة، ترجمة صادقة لعمق هذه العلاقة وصلابتها.
إن “إمارات الخير” ليست مجرد وصف، بل حقيقة راسخة في وجدان كل من عرف هذا الوطن أو عاش على أرضه. فهي دولة قامت على قيم العطاء والتسامح والبناء، واستحقت أن يقف الجميع إلى جانبها، دفاعًا عن أرضها وسمائها وشعبها، وردًا للجميل الذي طالما قدمته بسخاء.
حفظ الله دولة الإمارات العربية المتحدة، قيادةً وشعبًا، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ الأردن وسائر بلاد العرب، وجمع كلمتهم على الخير والوحدة.




