لندن: محمد الطّورة
سائني—وأنا ابنُ الأردن الذي أبعدته الغربة جسدًا ولم تُبعده قلبًا—أن أقرأ كل يوم موجةً عاتيةً من الانتقاد، يركبها كثيرٌ من أبناء الوطن، لا لتصويب مسار أو بناء فكرة، بل لتسجيل حضورٍ عابر، وإثباتِ ذاتٍ في غير موضعها. مؤلمٌ أن يتحول الحديث عن الوطن من مساحةٍ للمسؤولية المشتركة إلى ساحةٍ لفرد العضلات، ومزايداتٍ تبحث عن موقعٍ هنا أو مكسبٍ هناك، دون أن تستند إلى أسسٍ موضوعية أو نيةٍ صادقة للإصلاح. وما يزيد الأسى أن هذه الموجة لا تكتفي بإرباك مسار العمل، بل تتسلل لتزرع بذور الفرقة بين أبناء البيت الواحد، فتُضعف الثقة، وتُربك الأولويات، وتُبعدنا عن الهدف الأسمى: وطنٌ يتسع للجميع، ويُبنى بسواعد الجميع، لا بأصواتٍ تعلو ثم تمضي دون أثر.
في مشهدٍ يتكرر حتى أصبح جزءًا من يومياتنا، تبدو الساحة الأردنية وكأنها مسرح مفتوح للنقد الدائم؛ لا يكاد ينجو منه أحد، ولا يسلم منه موقع أو مسؤول. الجميع يتحدث، الجميع ينتقد، والجميع—بطريقة أو بأخرى—يرى نفسه الأجدر، والأقدر، والأحق.
تتبدل المواقع، لكن الخطاب يبقى كما هو. من كان في موقع المسؤولية بالأمس، يصبح اليوم أشدّ المنتقدين لمن خلفه، يرسم صورة قاتمة لما آلت إليه الأمور، وكأن الزمن توقف عند خروجه من المنصب. وزراء سابقون يحمّلون من خلفهم مسؤولية التقصير، وأعيان ونواب يتحدثون في مجالسهم الخاصة عن أخطاء غيرهم، متناسين أنهم كانوا يومًا أصحاب القرار، وأن الفرصة كانت بأيديهم.
أما المواطن، فلا يقف بعيدًا عن هذا المشهد؛ إذ ينخرط بدوره في دائرة النقد، يراقب، ويحلل، ويُحمّل الآخرين مسؤولية الإخفاق، بينما لا يلتفت كثيرًا إلى دوره الفردي في صناعة الواقع الذي يشتكي منه. تتسع فجوة الثقة، ويزداد الشعور العام بأن الجميع على خطأ… إلا أنفسهم.
ليست المشكلة في النقد بحد ذاته، فالنقد ضرورة لأي مجتمع حي يسعى للإصلاح. لكن الإشكالية تكمن حين يتحول النقد إلى حالة عامة من التبرؤ من المسؤولية، وإلى وسيلة لتلميع الذات بدل أن يكون أداةً للتصحيح والبناء.
الوطن لا يُبنى بكثرة الأصوات التي تنتقد، بل بتكامل الجهود التي تعمل. ولا يكفي أن نشير إلى الخلل، بل الأجدر أن نسأل: ماذا قدمنا نحن؟ وما الذي يمكن أن نكون جزءًا من تغييره؟
ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف أدوارنا، لا كمراقبين فقط، بل كشركاء في المسؤولية. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من المنابر، بل من الوعي، ومن الاعتراف بأن كل فرد—بموقعه—جزء من الحل، كما قد يكون جزءًا من المشكلة.
وفي ختام هذا الحديث، يبقى الرهان الحقيقي على الوعي؛ فمهما سُنّت من قوانين، ومهما وُضعت من تشريعات، لن تكون قادرة وحدها على إيقاف هذه الحالة التي باتت تُثقل كاهل المجتمع وتُربك مسيرته. إن جوهر المشكلة ليس في غياب النصوص، بل في غياب الثقافة التي تُحسن استخدام الكلمة، وتُدرك أثرها، وتُميّز بين النقد البنّاء والجدل العقيم.
هنا تحديدًا يأتي دور الثقافة المجتمعية، بوصفها الحصن الأمتن في مواجهة هذا السجال غير المنطقي؛ ثقافة تُعلي قيمة المسؤولية، وتُرسّخ احترام الرأي، وتدفع نحو الحوار الواعي بدل المزايدات. فبقدر ما نرتقي بوعينا، نقترب من بناء بيئة صحية يُصبح فيها النقد أداة إصلاح، لا وسيلة هدم، ويغدو الاختلاف مصدر قوة، لا سببًا للفرقة.
فالوعي ليس خيارًا ثانويًا، بل هو البداية الحقيقية لأي تغيير نرجوه، وهو الطريق الأقصر نحو وطنٍ أكثر تماسكًا واتزانًا.

