محمد ابوسماقة
هي صناعة ناعمة ولكنها عنيدة في ذات الوقت…!
في ظل التحديات التي تواجه القطاع السياحي في الأردن، تتزايد الدعوات إلى إطلاق مبادرات وبرامج تحفيزية لإعادة تنشيط حركة السياحة الوافدة. غير أن ما يُطرح أحياناً من حلول سريعة قد يبدو أقرب إلى “الفزعة” منه إلى التخطيط السياحي القائم على فهم حقيقي لطبيعة الأسواق المستهدفة.
فالمقترحات التي يجري تداولها حول إطلاق باقات سياحية مدعومة تستهدف أسواق الخليج والعراق، على سبيل المثال، تثير تساؤلات جوهرية حول مدى انسجامها مع الواقع الفعلي لهذه الأسواق. فالسائح القادم من دول الخليج أو العراق إلى الأردن لا يأتي في الغالب ضمن مجموعات سياحية منظمة، ولا يعتمد عادة على برامج جماعية تديرها مكاتب سياحية أو أدلاء سياحيون، كما هو الحال في بعض الأسواق الأوروبية أو الآسيوية. بل إن النمط السائد هو السياحة الفردية أو العائلية، حيث يخطط الزائر رحلته بنفسه، ويختار إقامته وتنقلاته وفق احتياجاته الخاصة.
وعليه، فإن بناء برامج سياحية على أساس استقطاب “مجموعات سياحية منظمة” من هذه الأسواق قد لا يحقق الأثر المرجو، لأن المشكلة لا تكمن في غياب البرامج السياحية بقدر ما تكمن في فهم طبيعة السائح وسلوكه واحتياجاته.
أما التوجه نحو استهداف أسواق دول المغرب العربي، فهو بدوره يواجه عقبة أساسية تتعلق بكلفة السفر وصعوبة الربط الجوي. فأسعار تذاكر الطيران المرتفعة تشكل حاجزاً حقيقياً أمام السائح القادم من تلك الدول، وربما تكون العامل الأكثر تأثيراً في قرار السفر إلى الأردن، قبل أي حزمة تشجيعية أو برنامج سياحي يتم الإعلان عنه.
إن السياحة صناعة معقدة لا يمكن إدارتها بردّات الفعل أو الحلول السريعة، بل تحتاج إلى قراءة دقيقة للأسواق، وفهم عميق لأنماط السفر، واستراتيجيات تسويق مبنية على البيانات والخبرة. كما تتطلب معالجة التحديات الجوهرية التي تواجه القطاع، وفي مقدمتها كلفة السفر، وتطوير المنتج السياحي، وتحسين تجربة الزائر منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن نجاح السياحة لا يتحقق بإطلاق مبادرات مؤقتة، بل ببناء سياسات مستدامة تقوم على التخطيط طويل المدى، والشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص، والاستثمار في الترويج الذكي للوجهات السياحية الفريدة التي يملكها الأردن، وفي مقدمتها مدينة البتراء وغيرها من المواقع التاريخية والطبيعية التي تشكل ثروة وطنية بكل معنى الكلمة.
إن المطلوب اليوم ليس فقط إطلاق برامج جديدة، بل إعادة النظر في فلسفة إدارة القطاع السياحي، بحيث تنتقل من منطق ردّ الفعل إلى منطق التخطيط الاستراتيجي القادر على تحويل التحديات إلى فرص، وإعادة وضع الأردن على خريطة السياحة الإقليمية والدولية بصورة أكثر تنافسية واستدامة.
وختاما فإن صناعة السياحة صحيح انها صناعة ناعمة ولكنها عنيدة في ذات الوقت وقادرة على سرعة التجاوب والعودة النشطة للاسواق كلما استقرت الامور فهذه الصناعة مرتبطة اساسا بالنشاط الانساني ورغبة الفرد في الاستكشاف والتغيير لذلك لا بد من توفير المنتج السياحي الذي يلبي رغباته واحتياجاته.

