لندن: محمد الطّورة
الهيبة… ليست في كثرة الظهور
كانت عبارة “خلك ثقيل”،من أكثر ما يردده الكبار على مسامعنا ونحن صغار: أي كن راكزًا، متزنًا، ولا تجعل حضورك في كل مكان، فلكل مقام مقال، ولكل ظهور مناسبة تليق به.
كبرنا، واكتشفنا أن هذه النصيحة لا تصلح للأفراد فحسب، بل تزداد أهمية كلما ارتفع المنصب وكبرت المسؤولية. فصاحب المنصب لا تُقاس مكانته بكثرة ظهوره، وإنما بحسن توقيت حضوره، وقيمة المناسبة التي يشارك فيها، وقدرته على أن يجعل لكل إطلالة وزنًا ورسالة.
ليس كل حدث يستدعي حضور صاحب المنصب بنفسه، فالمؤسسات الناجحة تُبنى على التفويض والثقة بالكفاءات. وفي كثير من المناسبات، يكون من الأنسب أن يمثله أحد مساعديه أو المسؤولين من حوله، مع مراعاة التوازن في توزيع هذه المهام بين أصحاب المواقع المتقاربة، بما يعزز العمل المؤسسي ويمنح الجميع فرصة القيام بدورهم.
كما أن من واجب الدائرة المحيطة بصاحب المنصب أن تقدم له النصح الصادق، فالمستشار الأمين لا يكتفي بتنفيذ الرغبات، بل يلفت النظر إلى ما يحفظ هيبة المنصب ويصون مكانته. فالنصيحة المخلصة خير من المجاملة، والرأي الحكيم قد يجنب صاحبه ما لا يلتفت إليه.
ولعلنا نلاحظ أن كثيرًا من أصحاب المناصب الرفيعة لا يغادرون أوطانهم إلا للمشاركات الرسمية الكبرى، وبدعوات من نظرائهم، لأنهم يدركون أن قرب صاحب المنصب من أبناء وطنه، ومتابعته لشؤونهم، يمنحه احترامًا في الداخل، ويكسبه تقديرًا في الخارج.
فالهيبة لا تُصنع بكثرة الحركة، بل بحسن الاختيار. والوقار لا يعني الغياب، وإنما يعني أن يكون لكل حضور قيمة، ولكل ظهور سبب، ولكل خطوة أثر.
ويبقى المثل الشعبي أصدق تعبير: “الحجر في موضعه قنطار”؛ فكلما عرف صاحب المنصب قدر موقعه، وحافظ على هيبة منصبه، ازدادت مكانته في نفوس الناس، لأن بعض الحضور يكون أبلغ من كثرة الظهور.

