لندن: محمد الطّورة
تُعدّ ظاهرة التصفيق في العلن والانتقاد في الخفاء واحدةً من أخطر العلل التي تنخر جسد المجتمعات السياسية، لما تنطوي عليه من ازدواجية في القول والفعل، وتناقضٍ بين الظاهر والمضمر. فهي ليست مجرد سلوك فردي عابر، بل نمطٌ فكري وسلوكي يتغلغل في البنية العامة للمجتمع، ويؤسس لثقافة زائفة قوامها المجاملة المعلنة والرفض المكتوم، الأمر الذي يفضي في نهاية المطاف إلى إضعاف الدولة وتقويض أسس الثقة فيها.
تتجلى ملامح هذا النفاق السياسي حين يطلق بعض الأفراد انتقادات محسوبة في الفضاء العام، لا بقصد الإصلاح أو التقويم، وإنما لذرّ الرماد في العيون، بينما يضمرون في الخفاء مواقف أكثر حدة ورفضًا، لا يجرؤون على الإفصاح عنها. وفي أحيان أخرى، يتبدّى المشهد في صورته الأكثر فجاجة، حين يتحول الخطاب العلني إلى مهرجان من التصفيق والتزكية، في الوقت الذي تعجّ فيه المجالس المغلقة بلغة السخط والتشكيك. وهنا يتكرّس الانفصام بين الخطاب المعلن والوعي الحقيقي، فتغدو الحقيقة أسيرة الهمس، لا صدى لها في المجال العام.
ويزداد هذا النمط خطورة عند تعاطيه مع القضايا السياسية الحساسة والمصيرية، حيث يُستبدل النقاش الصريح بالمداهنة، وتُقدَّم السلامة الشخصية على المصلحة العامة. ومع تكرار هذا السلوك، تتسع هوّة الإحباط في نفوس الأفراد، ويشيع شعور عام باللامبالاة، إذ يدرك المواطن أن ما يُقال علنًا لا يُعوَّل عليه، وأن المواقف الحقيقية تُدار في الظل، بعيدًا عن أعين الناس.
وليس هذا السلوك وليد اللحظة، بل هو ظاهرة ضاربة في عمق التاريخ العربي، حيث تزخر الصفحات القديمة بأمثلة لبطانات نافقت السلاطين، وأظهرت الولاء والطاعة، بينما أخفت الغدر أو التخاذل أو سوء التقدير. وقد أسهم هذا النفاق، في غير موضع، في تضليل مراكز القرار، وحرمانها من الرأي الصادق والنصيحة الأمينة، فكانت النتيجة قرارات مرتجلة، وصراعات داخلية، وانهيارات سياسية دفعت ثمنها الأوطان لا الأفراد.
وفي مقابل هذا المشهد، يلحظ المتأمل تراجع هذه الظاهرة، أو تضاؤل حضورها على الأقل، في كثير من دول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، حيث أتاح اتساع هامش الحرية السياسية، وترسخ الممارسة الديمقراطية، مساحة حقيقية للأفراد للتعبير عن آرائهم وقناعاتهم دون خوف من العقاب أو الحساب من أي جهة كانت. ففي تلك المجتمعات، لم تعد الصراحة عبئًا، ولا الاختلاف تهمة، بل غدا النقد العلني جزءًا أصيلًا من الثقافة السياسية، وآليةً معترفًا بها لتصويب السياسات ومساءلة السلطة.
ولعلّ هذه الحقيقة تتجلى بوضوح من خلال التجربة الشخصية لمواطن عربي عاش عقودًا طويلة في كلٍّ من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث لمس عن قرب كيف أن حرية الرأي لا تُمنح بوصفها امتيازًا، بل تُمارس باعتبارها حقًا أصيلًا. وعلى امتداد ما يقارب أربعة عقود من الإقامة ، بدا جليًا أن المواطن هناك لا يحتاج إلى أقنعة لغوية، ولا إلى ازدواجية في المواقف، لأن المجال العام يتسع للاختلاف، ويكفل حماية الرأي حتى وإن كان ناقدًا أو معارضًا. وهو ما يفسر، إلى حدٍّ بعيد، تراجع ظاهرة التصفيق الزائف، وصعود ثقافة الوضوح والمساءلة.
إن أخطر ما يفرزه النفاق السياسي هو تآكل الثقة بين المجتمع والسلطة، إذ لا يمكن لعلاقة أن تستقيم إذا بُنيت على أقوال لا تعكس القناعات الحقيقية. فحين يشعر الناس أن الخطاب العام محكوم بالأقنعة، تتصدع الروابط الاجتماعية، ويصبح الاستقرار السياسي هشًا، وقابلًا للانفجار عند أول أزمة. فالدول لا تُدار بالتصفيق، ولا تُحمى بالمديح الزائف، وإنما تُصان بجرأة الكلمة وصدق الموقف.
وتتعدد الأسباب الكامنة وراء تفشي هذه الظاهرة، ويأتي في مقدمتها الخوف من العواقب. ففي بيئات تسودها التوترات السياسية والاجتماعية، يجد الأفراد أنفسهم محاصرين بضغوط غير معلنة، تدفعهم إلى تبنّي مواقف لا تنسجم مع قناعاتهم الحقيقية، اتقاءً للأذى أو طلبًا للسلامة. وهكذا يتحول النفاق إلى آلية دفاع نفسي، تبرر الصمت وتُشرعن الازدواجية.
إلى جانب الخوف، تبرز الرغبة في تحقيق المكاسب الشخصية بوصفها عاملًا حاسمًا في تكريس هذا السلوك. فكثيرون يختارون الانحناء للعاصفة، والتقرب من دوائر النفوذ، طمعًا في منفعة أو موقع أو حماية، ولو كان الثمن التفريط في المبادئ. ومع الزمن، لا يعود النفاق استثناءً، بل يصبح قاعدة غير مكتوبة تحكم السلوك العام، وتُقصي الصراحة بوصفها مخاطرة غير محسوبة.
وتفضي هذه الأوضاع مجتمعة إلى حالة من الانسداد النفسي والسياسي، حيث يعزف الأفراد عن التعبير الصادق، ويفقدون الإيمان بجدوى المشاركة في الشأن العام. وعندما يُقصى الصوت الصادق، وتُكمم الحقيقة، تتعطل إمكانات الإصلاح، وتغدو الأوطان أكثر عرضة للتآكل من الداخل.
وخلاصة القول، إن التصفيق في العلن والانتقاد في الخفاء ليس مجرد خلل أخلاقي، بل مرض بنيوي يهدد استقرار الدول وأمنها. ومجابهته لا تكون إلا بترسيخ ثقافة الصراحة، وتوفير مناخ يحمي الرأي الصادق، ويعيد الاعتبار للكلمة المسؤولة، لأن الأوطان التي تُبنى على الصدق وحده، هي القادرة على الصمود في وجه الأزمات.

