لندن: محمد الطّورة
من الشوبك إلى مواقع المسؤولية الحساسة… نموذج للمسؤول الذي آمن أن المنصب تكليف لا تشريف
وجدتُ نفسي، مدفوعًا بوازع الواجب وإنصاف الكلمة، أمام مسؤولية الكتابة عن الأخ اللواء المتقاعد الباشا قاسم الرواشدة، ابن الشوبك، المدينة التي لا تُعرَّف بجغرافيتها بقدر ما تُعرَّف برجالاتها. رجلٌ لا يحتاج إلى تزكيةٍ من قلم، ولا إلى شهادةٍ من أحد، إذ إن سيرته المهنية وأخلاقه الرفيعة ظلّتا، على الدوام، محلّ إجماعٍ صادق لدى من عرفوه وخبروا عمله عن قرب.
لقد تكرّست هذه القناعة في نفسي عبر ما سمعته من ثقاتٍ كانوا شركاء دربه في مواقع المسؤولية، غير أنّ ما ترك الأثر الأبلغ في وجداني كان حديث المرحوم الباشا مصطفى القيسي، حين رافقته في إحدى زياراته الرسمية إلى لندن؛ يومها تحدّث بفيضٍ من التقدير عن الباشا الرواشدة، وعن ابن العم، المرحوم الفريق الأول فيصل الشوبكي، حديثًا يشي بعمق الثقة وعلوّ المقام، ويختزل مسيرة رجالٍ آثروا الفعل على القول، والواجب على المكسب.
وما كان لذلك الحديث إلا أن يوقظ في داخلي شعورًا عارمًا بالفخر، وأن يرسّخ يقيني بأن الشوبك، التي ننحدر منها جميعًا، لم تكن يومًا مجرد مكان، بل كانت — وما تزال — منبتًا للرجال الذين يصنعون المعنى الحقيقي للانتماء، ويجسدون قيمة الخدمة الصادقة للوطن، في صمتٍ يعلو على كل ضجيج.
ومن هنا، فإنني اليوم أبدأ الكتابة عن الباشا الرواشدة، لا لأمنحه ما لا يحتاجه من مديح، بل لأضع أمام القارئ نموذجًا يستحق أن يُروى، وسيرةً تليق أن تُستحضر.
يُعدّ الباشا قاسم الرواشدة واحدًا من النماذج الهادئة التي تركت أثرها العميق في مؤسسات الدولة الأردنية، دون أن يسعى إلى الظهور أو يتكئ على الضجيج. فقد خدم في عدد من أكثر مواقع الدولة حساسية، وهي مواقع لا يبلغها إلا من امتلك الكفاءة، ونال ثقة القيادة، وتحلّى بقدرٍ عالٍ من الانضباط والمسؤولية.
ومع ذلك، لم يكن حضوره مرتبطًا بالأضواء، بل بالفعل الصادق والعمل الدؤوب. آمن بأن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بما يُقال، بل بما يُنجز، فاختار أن يكون جنديًا في الميدان، يؤدي واجبه بصمت، ويترك أثره حيث ينبغي للأثر أن يكون.
لقد عُرف خلال مسيرته بالنزاهة والاستقامة، فلم يُؤثر عنه أنه استغل موقعًا، ولا أنه سعى إلى منفعةٍ شخصية، أو نافس على حساب القيم. بل جسّد نموذج المسؤول الذي يرى في المنصب تكليفًا لا تشريفًا، وفي الخدمة العامة أمانةً لا بابًا للمكاسب.
وحين أنهى مسيرته، غادر كما دخل: بهدوء الكبار، ودون ضجيج. لم يسعَ إلى إعادة تقديم نفسه، ولم يلهث خلف حضورٍ أو امتدادٍ للنفوذ، بل اكتفى بسجلٍ نظيف، وسيرةٍ ناصعة، تركها شاهدةً على زمنٍ كان فيه العمل الصامت عنوانًا للرجال.
ولا يمكن الحديث عن سيرة الباشا قاسم الرواشدة بمعزلٍ عن الجذور التي انبثق منها؛ فهذه المسيرة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت امتدادًا طبيعيًا لبيتٍ عُرف بين أهل الشوبك بسمعته الطيبة وسيرته العطرة. فقد كان والده، المرحوم الحاج عيسى عيد الرواشدة، نموذجًا يُحتذى في الأخلاق والاستقامة، كما سار أشقاؤه الأفاضل على النهج ذاته، تاركين بصماتٍ مشرّفة وذكرى عطرة في مختلف مواقع المسؤولية التي تقلدوها، سواء في القطاع المدني أو العسكري.
وهكذا، فإن ما قدّمه الباشا قاسم الرواشدة ليس إلا انعكاسًا صادقًا لتلك التربية الأصيلة، وتعبيرًا حيًا عن مدرسةٍ متجذّرة في القيم، تُخرّج رجالًا يحملون الأمانة بصدق، ويؤدّون واجبهم بشرف، ويغادرون مواقعهم تاركين خلفهم سيرةً تسبق أسماءهم
وفي الختام، فإن الكتابة عن الباشا الرواشدة ليست استعادةً لسيرة رجلٍ بقدر ما هي تذكيرٌ بمعنى الخدمة الحقيقية للوطن؛ تلك التي تُؤدّى بضميرٍ حي، وتُصان بالنزاهة، وتُختتم بصمتٍ يليق بالكبار. هي شهادةٌ لزمنٍ كانت فيه المسؤولية التزامًا أخلاقيًا قبل أن تكون موقعًا وظيفيًا، وكان فيه الرجال يُعرفون بأفعالهم لا بأقوالهم.
وإذا كانت الأمم تُبنى بنماذجها الصادقة، فإن أمثال الباشا قاسم الرواشدة هم من أولئك الذين يرسّخون في الذاكرة صورة المسؤول الذي لم يُبدّل، ولم يساوم، ولم يجعل من موقعه سلّمًا لمصالحه، بل ظلّ وفيًّا لجوهر الرسالة التي حملها.
سلامٌ على سيرةٍ نظيفة، وعلى أثرٍ باقٍ لا يُمحى، وعلى رجلٍ اختار أن يخدم بصمت… فكان صمته أبلغ من كثيرٍ من الكلام.

