ما الهدف الاستراتيجي من توسيع الشراكة الإماراتية الصينية؟
تعزيز تكامل اقتصادي طويل الأمد يدعم سلاسل الإمداد واستثمارات المستقبل.
كم عدد الاتفاقيات التي تم توقيعها خلال الزيارة؟
تم توقيع 24 اتفاقية ومذكرة تفاهم.
العموم نيوز: تعكس الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات والصين تحولاً متقدماً في طبيعة العلاقات الدولية، إذ لم تعد تقتصر على التبادل التجاري، بل تتجه لتشكيل منصة تكاملية تعيد توجيه مسارات الاستثمار والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، مدعومة برؤية مشتركة للتنمية طويلة الأمد.
ويأتي هذا التحول في سياق دولي يشهد إعادة رسم موازين الاقتصاد العالمي، مع تصاعد أهمية التحالفات الاقتصادية المرنة، ما يمنح هذه الشراكة بُعداً يتجاوز الإطار الثنائي نحو دور أكثر تأثيراً في توجيه تدفقات التجارة والاستثمار عالمياً.
زيارة مفصلية
وتمثل زيارة وفد إماراتي إلى بكين نقطة تحول نحو تعميق التكامل الاقتصادي والاستراتيجي بين البلدين، بعد مرحلة من التوسع المتسارع.
وفي إطار ذلك، بحث ولي عهد أبوظبي، الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، خلال لقائه مع رئيس مجلس الدولة في الصين لي تشيانغ في بكين يوم 13 أبريل، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة والارتقاء بها في مختلف المجالات الحيوية.
وأشارت وكالة أنباء الإمارات (وام) إلى أن المناقشات الثنائية ركزت على القطاعات الاقتصادية والتنموية ذات الأولوية، بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم تحقيق التنمية المستدامة.
وخلال لقائه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، أكد ولي عهد أبوظبي، في 14 أبريل، التزام الإمارات “بتعزيز الشراكة مع بكين وتوسيع آفاقها لـ100 عام قادمة وما بعدها”، مشدداً على أهمية البناء على ما تحقق من تقدم، والانطلاق نحو مرحلة أكثر تكاملاً عبر الاستثمار في الفرص المستقبلية وتعزيز سلاسل الإمداد.
في المقابل، أكد الرئيس الصيني أن “الإمارات شريك استراتيجي مهم، وتولي الصين اهتماماً كبيراً بتطوير العلاقات معها”، في تأكيد متبادل على مركزية الشراكة في حسابات الطرفين.
وشهدت الزيارة توقيع عدد من مذكرات التفاهم في قطاعات الطاقة النظيفة والاستثمار والزراعة المستدامة والتكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب توقيع 24 اتفاقية ومذكرة تفاهم خلال مؤتمر الترويج للأعمال في بكين، الذي عقد بالتزامن مع الزيارة بمشاركة واسعة من قادة الأعمال، وفق ما أوردته “وام”.
ووقعت وزارة الاستثمار في الإمارات واللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح الصينية مذكرة تفاهم بشأن التعاون الاستثماري بهدف تعزيز الاستثمار الثنائي وتوطيد العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
كما تزامن ذلك مع تأكيد الجانبين أهمية تعزيز التنسيق الدولي ودعم الحلول السلمية للنزاعات، في إشارة إلى اتساع الشراكة لتشمل أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز الإطار الاقتصادي التقليدي.
وأكد الرئيس الصيني، شي جين بينغ، خلال المباحثات أن “الإمارات تعد شريكاً استراتيجياً مهماً لجمهورية الصين، وتولي بلادنا اهتماماً كبيراً لتطوير العلاقات بين البلدين”.
زخم اقتصادي
وتعكس المؤشرات التجارية مساراً تصاعدياً متسارعاً، يعزز موقع البلدين كشريكين رئيسيين في إعادة تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
فقد ذكرت وكالة “شينخوا”، في 14 أبريل 2026، أن التجارة غير النفطية بين البلدين تجاوزت 111.5 مليار دولار في عام 2025، مسجلة نمواً سنوياً قياسياً بلغ 24.5%، وهو ما يعكس تسارع وتيرة التكامل الاقتصادي بين الجانبين.
كما تظهر البيانات استمرار هذا الزخم، إذ بلغ حجم التجارة نحو 90 مليار دولار في 2024، فيما اقترب من 50 مليار دولار في النصف الأول من 2025 بنمو سنوي 15.6%، وفق بيانات رسمية نقلتها وكالة أنباء الإمارات.
وتحتفظ الصين بموقع الشريك التجاري الأول للإمارات، مستحوذة على قرابة 12% من تجارتها غير النفطية، فيما تمثل الدولة الخليجية الشريك التجاري الأول لبكين في السلع غير النفطية على مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا بنسبة تتجاوز 20%.
وفي بعد آخر، تمر نحو 60% من تجارة الصين إلى المنطقة عبر الموانئ الإماراتية، ما يعكس تحول الدولة إلى محور لوجستي رئيسي ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، ودورها المتنامي في تأمين تدفقات التجارة العالمية.
مصالح استراتيجية
ويرى الخبير الاقتصادي، الدكتور تركي الشمري، أن الإمارات نجحت في ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي رائد للاستثمارات الصينية، بفضل تطوير سياسات تشريعية مرنة وتوفير مناطق حرة ولوجستية متقدمة تسهل أعمال الشركات العالمية.
ويوضح لـ”الخليج أونلاين” أن البنية التحتية المتطورة، خاصة الموانئ والسكك الحديدية، مكنت الصين من الاستفادة من القدرات اللوجستية الإماراتية كمنصة لإعادة التصدير والتوزيع نحو الأسواق الدولية.
ولفت الشمري إلى دور المراكز المالية الإماراتية في جذب المؤسسات المصرفية الصينية، حيث تعمل كمنصات متطورة لإدارة رؤوس الأموال والتمويل، مما يسهل إتمام الصفقات الكبرى بمرونة تنافسية عالية.
ويشير إلى أن تنويع الصين لاستثماراتها في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية يساهم في بناء علاقات اقتصادية مستدامة وطويلة الأمد، تخدم المصالح الاستراتيجية لكلا البلدين.
ويضيف الشمري أن التعاون في مجال الطاقة المستدامة يحقق للإمارات تنوعاً اقتصادياً بعيداً عن النفط، ويعزز موقعها كمركز عالمي للطاقة المتجددة، بينما يتيح للصين توسيع أسواقها في تكنولوجيا الرياح والشمس.
ويبين الخبير الاقتصادي أن الشراكة في التقنيات الخضراء تساهم في خفض التكاليف وتعزيز أمن الطاقة، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بتقلبات أسواق الوقود الأحفوري العالمية.
ويعتقد الشمري أن المشروعات المشتركة في إنتاج الطاقة الشمسية والشبكات الذكية تسمح بتجربة حلول ابتكارية جديدة، تضع الإمارات والصين على خارطة العمل المناخي والريادة في خفض الانبعاثات.
ويردف بأن الاتفاقيات التي شملت قطاعات الصحة والزراعة المستدامة والبيئة تعكس رغبة البلدين في مواجهة التحديات العالمية المشتركة عبر الابتكار التكنولوجي المستمر.
ويبين الشمري أن إقامة شراكات بحثية بين الجامعات والمراكز العلمية في البلدين يساهم في خلق بيئة مثالية للتطوير، مما ينتج خدمات تكنولوجية قادرة على المنافسة في اقتصادات المستقبل.
ويؤكد أن تبادل أفضل الممارسات في الاستدامة البيئية والتحول للطاقة النظيفة يمثل القاعدة الأساسية التي ينطلق منها البلدان نحو تحقيق ريادة عالمية شاملة.
تكامل استثماري
ويتجه التعاون الثنائي نحو تعميق الشراكات الاستثمارية في القطاعات المستقبلية، بما يعزز انتقال العلاقة من تبادل تجاري إلى تكامل اقتصادي عالي القيمة.
وأكد وزير التجارة الخارجية في الإمارات ثاني بن أحمد الزيودي، في تصريحات نقلتها وكالة “شينخوا” خلال مؤتمر الترويج للأعمال في بكين في 14 أبريل 2026، أن بلاده تمثل “بوابة رئيسية للأعمال الصينية من وإلى أسواق المنطقة والعالم”، في إشارة إلى الدور المحوري للدولة في ربط الأسواق العالمية.
وتبرز الاستثمارات الإماراتية في الصين كأحد أعمدة هذه الشراكة، إذ استثمرت شركة “مبادلة” في أكثر من 100 مشروع بقيمة تقارب 17 مليار دولار منذ 2015، موزعة على قطاعات التكنولوجيا والتمويل والعقارات.
كما قاد جهاز أبوظبي للاستثمار جولة تمويل بقيمة 65 مليون دولار في شركة صينية للذكاء الاصطناعي، سجلت نمواً لافتاً لاحقاً، وفق “شينخوا”، ما يعكس توجه الاستثمارات نحو القطاعات المستقبلية عالية النمو.
وفي المقابل، تعزز الشركات الصينية حضورها في الإمارات، مع وجود أكثر من 15,500 شركة تعمل في الدولة، إلى جانب توسع التعاون في قطاعات نوعية مثل الزراعة الذكية والأمن الغذائي، بما يعكس انتقال الشراكة إلى مستويات تطبيقية أعمق.
وتكشف الشراكة الإماراتية-الصينية عن تحول نوعي نحو نموذج تكامل اقتصادي مرن، يقوم على تلاقي القدرات اللوجستية والمالية للإمارات مع القوة الصناعية والتكنولوجية للصين، بما يعزز دورهما المشترك في إعادة رسم خرائط التجارة والاستثمار عالمياً.

