لندن: محمد الطّورة
الأردن في مرآة الشعر والتاريخ: قراءة في قصيدة أُهديت لكتابي
قبل نحو عشرة أعوام، وفي مناسبة أعتز بها كثيراً، هي مناسبة إشهار كتابي «المملكة الأردنية الهاشمية من عبدالله الأول إلى عبدالله الثاني»، تفضّل أبن العم الأخ العزيز الشاعر عبد الكريم محمد الطورة (أبو توفيق) بكتابة قصيدة مهداة إليّ في تلك المناسبة. وقد كانت هذه المبادرة الكريمة محل تقدير كبير لدي، لما حملته من معانٍ وطنية عميقة ومشاعر صادقة عبّر فيها الشاعر عن اعتزازه بالأردن وتاريخه، كما تضمنت كلمات تقدير للجهد الذي بذلته في تأليف هذا الكتاب.
وعندما أتأمل أبيات هذه القصيدة التي تتكون من سبعة عشر بيتاً، أجد أن كل بيت منها يحمل معنى عميقاً وصورة شعرية تعبّر عن جانب من جوانب تاريخ الأردن وقيمه الراسخة. ففي مطلع القصيدة يخاطب الشاعر الأردن بوصفه موطن الأشراف والشرفاء، في إشارة إلى المكانة الرفيعة التي يتمتع بها هذا الوطن، وما عرف به أهله من شهامة وكرامة عبر العصور.
ثم يصف الشاعر الشعب الأردني بأنه شعب يعيش بعزة وإباء، وهو وصف يعكس روح الإنسان الأردني الذي ظل متمسكاً بكرامته وقيمه العربية الأصيلة، محافظاً على هويته وتاريخه رغم التحديات.
وفي أبيات أخرى يرفع الشاعر راية الأردن فوق اللواءات، في صورة شعرية تعبّر عن الفخر بهذا الوطن وعلو مكانته بين الأمم، وكأن الأردن راية عزّ ترفرف في فضاء التاريخ.
كما يشير الشاعر إلى أن أبناء الأردن كتبوا أسماءهم على صدر الزمان، في إشارة إلى حضورهم المؤثر في مسيرة التاريخ، وإلى ما قدموه من مواقف مشرّفة في خدمة الأمة.
ويتوقف الشاعر عند قيمة عظيمة من قيم المجتمع الأردني وهي التسامح، مؤكداً أن هذه القيمة كانت سبباً في وحدة المجتمع وتماسكه، حيث اجتمع أبناء الوطن على المحبة والاحترام المتبادل.
ومن المعاني المهمة التي تتجلى في القصيدة حديث الشاعر عن الدور الإنساني للأردن، حين يشير إلى أن هذا الوطن احتوى سائر الضعفاء والمحتاجين، فكان ملاذاً آمناً لكل من قصده طلباً للأمن والكرامة، وهي حقيقة يعرفها القريب والبعيد عن الأردن.
كما يبرز الشاعر صورة الكرم الأردني الأصيل، حيث يشير إلى أن أبناء هذا الوطن اعتادوا إكرام الضيف وإطعام المحتاج، وهي قيم راسخة توارثوها عن الآباء والأجداد.
ويستحضر الشاعر كذلك القيم الهاشمية التي قامت عليها الدولة الأردنية، وما عُرف عن الهاشميين من حكمة وشجاعة وحنكة في القيادة، وهي صفات تركت أثراً واضحاً في مسيرة الأردن واستقراره.
وفي أحد الأبيات اللافتة في القصيدة يقول الشاعر:
«من كان عبدالله قائد ركبه صعبت عليه طبائع البخلاء»،
وهنا يقصد الشاعر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله، مشيراً إلى أن من يقوده ملك يحمل اسم عبدالله ويسير على نهج العطاء والكرم والشجاعة، لا يمكن أن يعرف طريق البخل أو الضيق. فالقيادة هنا تمثل القدوة في العطاء والكرم، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على أبناء الوطن الذين يستلهمون من قيادتهم هذه القيم النبيلة.
كما تتطرق القصيدة إلى صفحات مشرقة من تاريخ الأمة، ومنها التضحيات التي قدمها الأردنيون دفاعاً عن القدس والقضايا العربية، حيث نال الشهداء مراتب الشرف والبطولة.
ويؤكد الشاعر أيضاً أن صدق الولاء كان دائماً سمة من سمات الأردنيين، وهو ولاء نابع من عمق الانتماء للوطن والقيادة، ويعكس روح الإخلاص التي تجمع أبناء هذا البلد.
وفي الأبيات الأخيرة من القصيدة يتناول الشاعر الكتاب الذي ألفته، مشيراً إلى ما تضمنه من توثيق لمسيرة الدولة الأردنية الهاشمية منذ عهد الملك المؤسس عبدالله الأول وحتى عهد جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله. وقد عبّر الشاعر في تلك الأبيات عن تقديره واحترامه لي كمؤلف لهذا الكتاب، وهي كلمات أعتز بها كثيراً لأنها جاءت من شاعر كريم وصاحب إحساس صادق.
إنني، وأنا أستعيد هذه القصيدة بعد مرور عقد من الزمن على كتابتها، أجد فيها شهادة شعرية جميلة تعبّر عن محبة الأردن والاعتزاز بتاريخه، كما أجد فيها لفتة وفاء من الأخ الشاعر عبد الكريم محمد الطورة (أبو توفيق) الذي أكنّ له كل التقدير والاحترام.
وفي ختام هذه القراءة، أتقدم شخصياً بخالص الشكر والامتنان له على هذه القصيدة وما حملته من معانٍ وطنية وإنسانية نبيلة وكلمات صادقة، سائلاً الله أن يديم عليه الصحة والعطاء، وأن تبقى كلماته شاهدة على عمق الانتماء للأردن وعلى ما يجمع أبناءه من محبة ووفاء وتقدير.
وبعد مضي عشرة أعوام على تلك المناسبة، ما زلنا في هذا الوطن باقين على العهد والوعد، أوفياء للأردن وقيادته الهاشمية، متمسكين بالقيم التي جسدتها تلك القصيدة الصادقة.

