العموم نيوز: لم يتبق لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين “الأونروا” من منشآتها العاملة في القدس الشرقية المحتلة سوى مركز قلنديا للتدريب المهني، بعدما أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلية مدارس الوكالة وعياداتها التي كانت تقدم خدماتها للاجئي فلسطين هناك.
لكن المركز، الذي يوفر التدريب المهني للشباب الفلسطينيين من مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، تعرض الثلاثاء 24 آب لدخول قوة إسرائيلية كبيرة عنوة، قبل أن تستولي السلطات الإسرائيلية عليه، في خطوة وصفتها الأونروا بأنها “استيلاء غير قانوني”.
وبذلك، وصل التضييق على عمل الأونروا في القدس الشرقية المحتلة إلى آخر منشآتها التي كانت لا تزال تعمل هناك، فيما حذرت الوكالة من أن استمرار السيطرة على مركز قلنديا سيحرم 340 شابا من الضفة الغربية من حقهم في التعليم.
وأدان الأردن اقتحام السلطات الإسرائيلية وإخلاء مركز قلنديا للتدريب في القدس المحتلة؛ وعدّه خرقا فاضحا للقانون الدولي، وانتهاكا لحصانات وامتيازات الأمم المتحدة ووكالاتها، مشيرا إلى أنّ الإجراءات الإسرائيلية والتي تُعدّ امتدادًا لسياسات الحكومة الإسرائيلية المتطرفة والإجراءات الإسرائيلية اللاشرعية في الضفة الغربية المحتلة تستهدفُ وجود (الأونروا) ورمزيتها التي تؤكّد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض وفق القانون الدولي، وخصوصًا القرار 194.
وأدانت الأمم المتحدة، وعلى رأسها أمينها العام أنطونيو غوتيريش، ما جرى بأشد العبارات، مؤكدة أن دخول قوات أمن مسلحة إلى منشأة تابعة للأمم المتحدة من دون إذن أو موافقة المنظمة أمر غير مقبول.
وطالبت الأمم المتحدة الحكومة الإسرائيلية بالوقف الفوري لتدخلها في منشآت الأونروا، وإخلاء جميع المنشآت المتضررة وإعادتها إلى المنظمة الأممية من دون تأخير.
وقال مدير شؤون الأونروا في الضفة الغربية رولاند فريدريش إن الوضع في مركز قلنديا لا يزال “حرجا”، مؤكدا أن قوات الأمن الإسرائيلية لا تزال داخل المركز إلى جانب مسؤولين إسرائيليين من بلدية القدس، ويقومون بأعمال وتعديلات على المنشأة.
ووصف فريدريش، في حوار مع أخبار الأمم المتحدة، ما يجري بأنه انتهاك غير مقبول لامتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها، محذرا من أن استمرار الوضع سيحرم مئات الشباب الفلسطينيين من فرص التعليم التي يوفرها المركز.
ووضع فريدريش الاستيلاء على المركز ضمن سياق أوسع من الإجراءات التي طالت عمل الأونروا في القدس الشرقية المحتلة خلال نحو عام ونصف، وشملت إغلاق مدارس وعيادات تابعة للوكالة، إضافة إلى الاستيلاء على مجمع مقرها في الشيخ جراح وتدميره جزئيا.
وقال إن ما شهدته الوكالة خلال هذه الفترة أدى إلى تقلص مساحة عملها في القدس الشرقية بصورة كبيرة، إلى أن أصبح مركز قلنديا، قبل الاستيلاء عليه، المنشأة الوحيدة المتبقية لها هناك.
قوة كبيرة تدخل المركز
وعن تفاصيل ما حدث، قال فريدريش إن قوة إسرائيلية كبيرة وصلت إلى مركز قلنديا قرابة الساعة 9:50 صباح الثلاثاء، وكان معظم أفرادها من الشرطة الإسرائيلية، إلى جانب عناصر من وكالات أمنية أخرى، قبل أن تدخل المجمع بالقوة.
وكان 24 موظفا من الأونروا موجودين داخل المركز في ذلك الوقت، حيث كانوا يستعدون للعام الدراسي الجديد المقرر أن يبدأ الأسبوع المقبل.
وبحسب فريدريش، فتش أفراد الأمن الإسرائيليون الموقع وفتحوا المباني واحتجزوا موظفي الأونروا مؤقتا داخل المركز قبل إطلاق سراحهم لاحقا.
وقال إن دخول القوة إلى المركز عطل الاستعدادات التعليمية وأثار الخوف بين الموظفين، مشيرا إلى أن بعضهم تعرض للمضايقات.
وبعد نحو ساعة من دخول القوة، قال فريدريش إن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير دخل المبنى وأجرى مقابلات من داخل مركز قلنديا للتدريب، وهو ما وصفه أيضا بأنه “انتهاك غير مقبول لامتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها”.
ولم تكن هذه، وفق فريدريش، أول واقعة دخول غير مصرح به إلى المركز، إذ سجلت الأونروا 4 حوادث أخرى منذ أيار من العام الحالي، إضافة إلى حادثتين في وقت سابق من العام.
وأكد أن الوكالة لم تتسلم أي وثيقة رسمية بشأن ما حدث، قائلا إن ما يجري حاليا يمثل “محاولة للاستيلاء على مركز تدريب قلنديا”.
من 6 مدارس إلى آخر منشأة
ويربط فريدريش ما جرى في قلنديا بالتشريعات الإسرائيلية “المناهضة للأونروا” التي اعتمدت قبل نحو عام ونصف، معتبرا أن الاستيلاء على المركز يجب أن يُفهم في سياق ما وصفه بجهود الحكومة الإسرائيلية الحالية لوضع حد لأنشطة الوكالة في القدس الشرقية المحتلة.
ومنذ كانون الثاني 2025، قال فريدريش إنه وزملاءه الدوليين في الأونروا لم يعودوا قادرين على الوجود في مقر عملهم بسبب عدم إصدار تأشيرات لهم.
وفي الوقت نفسه، شهدت مدارس الأونروا الست في القدس الشرقية المحتلة إغلاقا تدريجيا، مما أدى، وفق فريدريش، إلى حرمان 800 طفل من التعليم.
وفي كانون الأول، أُدخلت تعديلات على القوانين المتعلقة بالأونروا تضمنت، بحسب فريدريش، بندا لقطع المياه والكهرباء عن منشآت الوكالة في القدس الشرقية، إلى جانب السماح لقوات الاحتلال الإسرائيلية بالاستيلاء على مجمع مقر الأونروا في الشيخ جراح ومركز قلنديا للتدريب.
وقال إن مجمع الوكالة في الشيخ جراح تم الاستيلاء عليه وتدميره جزئيا في كانون الثاني، بالتوازي مع إغلاق عيادتين تابعتين للأونروا في القدس الشرقية كانتا تقدمان خدماتهما لـ40 ألف لاجئ فلسطيني.
ومع إغلاق تلك المنشآت، ظل مركز قلنديا المنشأة الوحيدة المتبقية للأونروا في القدس الشرقية المحتلة حتى الاستيلاء عليه.
مركز وحيد للتدريب المهني
وتكمن أهمية مركز قلنديا، وفق فريدريش، في كونه مركز التدريب الوحيد التابع للأونروا المخصص لتقديم التدريب المهني للشباب من مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية.
وقال إن هؤلاء الشباب كانوا يستفيدون من تعليم مجاني يمنحهم الأمل وفرصة لبناء مستقبلهم، معتبرا أن ما حدث لا يقتصر على انتهاك القانون الدولي، بل يؤدي كذلك إلى حرمان المستفيدين الذين يعتمدون على الوكالة من مستقبلهم.
وكان من المقرر أن يستقبل المركز 340 شابا مع بدء العام الدراسي الجديد الأسبوع المقبل.
وشدد فريدريش على أن القضية لا تقتصر على مركز قلنديا أو على الأونروا، وإنما تتصل بالامتيازات والحصانات التي تتمتع بها الأمم المتحدة ومنشآتها وموظفوها في مختلف أنحاء العالم.
وأوضح أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ملزمة، وفقا لتعهداتها بموجب ميثاق الأمم المتحدة وكونها أطرافا في الاتفاقية العامة، باحترام امتيازات المنظمة وحصاناتها.
وتشمل هذه الالتزامات، بحسب فريدريش، حرمة مباني الأمم المتحدة واحترام الحصانات المتعلقة بموظفيها ومركباتها.
وأشار إلى أن محكمة العدل الدولية أوضحت، في رأي استشاري صدر في تشرين الأول الماضي، أن إسرائيل ملزمة بتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة من خلال الأمم المتحدة عموما والأونروا خصوصا، إضافة إلى الالتزام بحماية موظفي الأمم المتحدة.
وأكد أن الأونروا لا تزال أكبر جهة فاعلة إنسانية على الأرض في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقال إن ما حدث في مركز قلنديا، وما يستمر في الحدوث، يمثل “عكس ذلك تماما”، محذرا من أن الأمر يشكل سابقة تتصل بقدرة موظفي الأمم المتحدة على العمل بأمان وحمايتهم في مناطق أخرى من العالم.
وأضاف أن القضية “لا تتعلق فقط بالأونروا أو بمنشآتنا في القدس الشرقية المحتلة”، وإنما باحترام الدول الأعضاء لامتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها وللنظام متعدد الأطراف بصورة عامة.
تحرك دولي لاستعادة المركز
وقبل الاستيلاء على مركز قلنديا بيوم واحد، زار وفد من الدبلوماسيين وممثلي الدول الأعضاء المنشأة، واطلع على برامج التدريب وورش العمل التي تقدمها، ووصف فريدريش الزيارة بأنها حملت “إشارة سياسية قوية للغاية”.
وقال إن الأونروا تأمل الآن أن تتحمل الدول الأعضاء مسؤولية ممارسة الضغط بما يسمح للوكالة بالعودة إلى مركز قلنديا واستئناف عملها فيه.
وأشار إلى البيان الذي أصدره الأمين العام للأمم المتحدة وإلى بيانات داعمة صدرت عن عدد من الدول الأعضاء، لكنه شدد على أن المطلوب يتجاوز إصدار المواقف والبيانات.
وقال إن “الشيء الرئيسي” بالنسبة للأونروا يتمثل في إمكانية عودتها إلى المركز وتشغيله مجددا وخدمة الأشخاص الذين كلفتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بخدمتهم.
وفي شرحه للقيود التي تواجهها الأونروا، تحدث فريدريش عن قانونين، أولهما يحظر عمليات الوكالة ووجودها في ما تعتبره إسرائيل أرضا خاضعة لسيادتها، وهو ما يطبق على خدمات الأونروا في القدس الشرقية المحتلة.
وأكد أن الأمم المتحدة لا تعترف بضم القدس الشرقية، مشيرا إلى أن الوكالة واصلت منذ دخول القوانين حيز التنفيذ في كانون الثاني 2025 القيام بكل ما في وسعها للاستمرار في تقديم خدماتها هناك.
لكن الحيز المتاح للأمم المتحدة عموما وللأونروا خصوصا في القدس الشرقية تقلص بصورة كبيرة خلال العام ونصف العام الماضيين، بحسب فريدريش، حتى لم يتبق للوكالة قبل الاستيلاء الأخير سوى مركز قلنديا للتدريب.
أما القانون الثاني، فينص على سياسة عدم الاتصال التي تمنع السلطات الإسرائيلية من التواصل مع الأونروا، وهو ما قال فريدريش إنه يؤثر على عمليات الوكالة في قطاع غزة والضفة الغربية.
11 ألف موظف في غزة و4600 موظف في الضفة
ورغم القيود، قال فريدريش إن الأونروا لا تزال قادرة على مواصلة عملها في قطاع غزة والضفة الغربية.
وفي غزة، تواصل الوكالة تقديم المساعدات الإنسانية عبر أكثر من 11 ألف موظف يعملون يوميا، وقال إن 70 ألف طفل يستفيدون من برامج التعليم في حالات الطوارئ، فيما تقدم الوكالة 60 ألف استشارة صحية يوميا في القطاع.
وأضاف أن الأونروا توفر نصف مياه الشرب في قطاع غزة، ولا تزال تدير أكثر من 70 مأوى.
إلا أن العملية الإنسانية، بحسب فريدريش، تستمر في ظروف أكثر صعوبة، إذ لم تعد الأونروا قادرة على إدخال إمداداتها بالطريقة التي كانت تتبعها قبل دخول سياسة عدم الاتصال حيز التنفيذ.
وفي الضفة الغربية، قال فريدريش إن 4600 موظف تابعين للأونروا يواصلون العمل على الأرض وتقديم الخدمات.
وتدير الوكالة حاليا 90 مدرسة بعد إغلاق مدارسها الست في القدس الشرقية، ومن المتوقع أن يبدأ قرابة 50 ألف طفل العام الدراسي الجديد الأسبوع المقبل.
وفي القطاع الصحي، قدمت الأونروا خلال العام الماضي 1.1 مليون استشارة صحية من خلال 50 مرفقا صحيا.
كما وفرت الوكالة، بالتعاون مع شركائها، الحماية الاجتماعية والمساعدات النقدية والدعم الغذائي العيني لأكثر من 270 ألف مستفيد خلال العام الماضي.
وأكد فريدريش أن عمليات الوكالة في الضفة الغربية مستمرة، ولكن في ظروف أكثر صعوبة، مشيرا إلى أن سياسة عدم الاتصال أثرت في قدرتها على إجراء التنسيق المدني العسكري بالفعالية التي كانت عليها سابقا.
وأشاد بموظفي الأونروا الفلسطينيين من المعلمين والممرضين والأخصائيين الاجتماعيين في قطاع غزة والضفة الغربية، الذين قال إنهم يواصلون العمل يوميا في ظروف “صعبة للغاية”.
ولا يحصر فريدريش التحديات التي تواجه العمل الإنساني في الإجراءات المتعلقة بالأونروا، إذ قال إن المجال الإنساني في الضفة الغربية بصورة عامة آخذ في التقلص.
ودعا إلى عكس هذا الاتجاه، إلى جانب وقف مسار النزوح والتهجير القسري الذي يؤثر، جزئيا، على المستفيدين من خدمات الأونروا.
وقال إن ثلاثة مخيمات للاجئين في شمال الضفة الغربية أُفرغت من سكانها بعدما تعرضوا للتهجير القسري، وإن أكثر من 34 ألف شخص لا يزالون نازحين حتى الآن، فيما تواصل الأونروا وجودها على الأرض لتقديم الدعم لهم.
وحذر فريدريش من أن النزوح والتهجير القسري، إلى جانب التوسع الاستيطاني وبناء شبكات الطرق، تخلق واقعا على الأرض يجعل حل الدولتين “غير قابل للتنفيذ أكثر من أي وقت مضى”.
وقال إن المطلوب هو العودة إلى العملية السياسية وتغيير الاتجاهات القائمة على الأرض، وصولا إلى مسار يسمح بحل عادل ومنصف للصراع الإسرائيلي الفلسطيني بما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن.
وأكد أن قضية لاجئي فلسطين ترتبط بغياب حل سياسي للصراع، وأن الأونروا مكلفة بمواصلة عملها في ظل هذا الواقع.
واختتم فريدريش بالتأكيد على ضرورة الابتعاد عما وصفه بـ”حافة الهاوية” التي تشهدها الضفة الغربية، والعودة إلى مسار ذي مصداقية نحو حل الدولتين وتقرير المصير الفلسطيني، وصولا في نهاية المطاف إلى وضع لا تعود فيه الأونروا مضطرة إلى أداء مهمتها لأن الصراع يكون قد اتجه نحو الحل.