لندن: محمد الطّورة
في مشهد عابر ذات يوم، لكنه بالغ الدلالة، سألت سيدة مسنّة سموّ ولي العهد: «كيف أبوك؟»
سؤال بسيط، بلا ألقاب ولا حواجز. فجاء الجواب أبسط وأعمق:
«بخير… بسَلِّم عليكي».
هذا الرد لم يكن لحظة ارتجال فقط، بل امتدادًا طبيعيًا لنهجٍ هاشميٍّ متجذّر، نهجٍ يرى في القرب من الناس قيمة، وفي التواضع سياسة أخلاق قبل أن تكون سلوكًا شخصيًا. فـ الأمير الحسين بن عبدالله الثاني لم يُصَحِّح السؤال، ولم يبحث عن لقبٍ غاب، بل التقط روح السؤال، وردّ عليه بما يليق بالإنسان قبل المنصب.
ولعلّ هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة ما كان عليه الحال مع الراحل الملك الحسين بن طلال، حين كان بعض شيوخ العشائر الأردنية ينادونه ببساطة: «يا حسين»، دون ألقاب أو تكلف. لم يكن ذلك تقليلًا من الهيبة، بل تعبيرًا عن قربٍ وثقةٍ متبادلة، وعن قائدٍ أدرك أن المحبة الصادقة أرسخ من أي لقب رسمي.
وكما سار الجد على هذا النهج، مضى الابن. فها هو الملك عبدالله الثاني يُنادى بين الناس بـ «أبو حسين»، اسمٌ يحمل دفء الأبوة أكثر مما يحمل صرامة السلطة. نداءٌ شعبيٌّ صادق، لم يُقابَل يومًا بالتصحيح، بل بالابتسامة، وكأن الرسالة واحدة عبر الأجيال: نحن من الناس، وبالناس نكبر.
حين نضع هذا المشهد في سياق أوسع، ونتخيّل لو أن مواطنًا خاطب مسؤولًا — كبيرًا كان أو صغيرًا — دون ذكر لقبه، كيف ستكون ردة الفعل؟
هل سيُقابَل بعفوية، أم بنظرة استعلاء؟
هل سيُفهم القرب على أنه احترام، أم يُفسَّر كخروج عن البروتوكول؟
هنا تتجلّى الفوارق الحقيقية.
الهاشميون لم يجعلوا الألقاب جدرانًا تعزلهم عن الناس، بل تركوها جسورًا لعبور الثقة. لم يروا في السلطة امتيازًا يُبعد، بل أمانة تُقرِّب. ولذلك، لم يكن جواب «بسَلِّم عليكي» جملةً عابرة، بل خلاصة مدرسة كاملة في الحكم والأخلاق.
في زمنٍ تتضخم فيه المسميات وتبهت فيه المعاني، تذكّرنا هذه اللحظات أن الهيبة لا تُصنع من الألقاب، بل من التواضع، وأن القائد الحقيقي لا يحتاج أن يُذكِّر الناس بمنصبه… لأنهم يشعرون بإنسانيته قبل كل شيء

