لندن: محمد الطّورة
في خضم التحديات التي تواجهها الدول، لا سيما في المراحل الحساسة سياسيًا وأمنيًا، يبرز سؤال جوهري يستحق التوقف عنده من قبل بعض المؤسسات للإجابة عليه: أيهما يشكّل خطرًا أكبر على أمن الوطن واستقراره؟ أهو من يساهم في فتح قنوات الحوار بين الدولة والمعارضين، وينقل آراءهم ويسعى لفهم دوافعهم، أم ذاك الذي يعتلي المنصات الإعلامية في العلن ليكيل الاتهامات للدولة، رغم أنه كان – ولا يزال – من أكثر المستفيدين من خيراتها ومناصبها؟
من منظور سياسي وقانوني، لا يُعد الحوار مع المعارضين فعلًا مناقضًا لمفهوم السيادة أو تهديدًا للأمن القومي، بل هو أداة معترف بها في إدارة النزاعات السياسية. فالدول الحديثة تعتمد التفاوض، والاستماع للرأي المخالف، واحتواء الأزمات قبل تفاقمها، باعتبار ذلك جزءًا من مسؤولياتها في حفظ السلم الأهلي وتعزيز الاستقرار. كما أن نقل وجهات نظر المعارضين إلى مراكز القرار، متى ما تم ضمن القنوات الرسمية ووفق ضوابط قانونية واضحة، يُسهم في صناعة سياسات أكثر واقعية ويحد من الانزلاق نحو المواجهة المفتوحة
غاب عن تفكير هؤلاء إن الدول الرشيدة لا تخشى الحوار، بل تعتبره أحد أدوات القوة والاستقرار. فالسعي إلى التفاوض مع المعارضين، وسماع آرائهم، ومحاولة احتواء الخلافات ضمن أطر سياسية وقانونية، لا يُعد ضعفًا ولا خيانة ، خصوصاً عندما تكون الدولة هي من سعت وشجعت على الحوار ، بل أن هذا النهج هو تعبير عن وعي الدولة وثقتها بنفسها. فالتاريخ السياسي يثبت أن إغلاق الأبواب أمام الحوار غالبًا ما يدفع الخلافات إلى مسارات أكثر خطورة، بينما يفتح النقاش المنظم باب الحلول ويحد من التوتر والانقسام.
في المقابل، يبرز نموذج آخر أكثر إشكالية، يتمثل في أولئك الذين نالوا من الدولة دعمًا واسعًا، وحصلوا هم وأقاربهم وأنسباؤهم على مناصب وامتيازات وفوائد لا تُحصى، ثم ما يلبثون أن ينقلبوا عليها في لحظة خلاف أو فقدان مصلحة. فيخرجون على وسائل الإعلام ومنصات التواصل، لا بدافع الإصلاح الصادق، بل بدافع التشهير وتصفية الحسابات، مستخدمين خطابًا حادًا يضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
خطورة هذا السلوك لا تكمن فقط في النقد، فالنقد حق مشروع، بل في ازدواجية المعايير وفقدان المصداقية. فمن يستفيد من الدولة سنوات طويلة ثم يتهمها فجأة بالفساد أو الظلم دون اعتراف بدوره أو مكاسبه، يزرع الشك ويغذي الإحباط ويمنح خصوم الوطن ذخيرة مجانية. كما أن هذا الخطاب، حين يصدر عن شخصيات معروفة أو كانت محسوبة على مراكز القرار، يكون تأثيره مضاعفًا على الرأي العام، وقد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
إن الفرق شاسع بين من يعمل داخل الإطار الوطني، حتى وإن اختلف أو انتقد، وبين من يوظف المنصات الإعلامية للإساءة والتجريح دون مسؤولية. الأول يسعى – إلى الحل، أما الثاني فيسهم في تعميق الأزمة وتأجيج الانقسام.
خلاصة القول، فإن أخطر ما يهدد أمن الوطن ليس الحوار ولا محاولة استيعاب المعارضين، بل غياب النزاهة في الخطاب العام، واستغلال التجربة والمنافع السابقة للهجوم على الدولة بدوافع شخصية. فالأوطان تُبنى بالمسؤولية والصدق، لا بالتناقض والانتقام، وتُحمى بالحوار الواعي أكثر مما تُحمى بالصراخ؟
حمى الله الآردن الغالي قيادتاً وشعباً