كتب: تأبط وطنا
مع عودة الملك عبدالله الثاني من جولته الخارجية، تتجه الأنظار في الأردن إلى ما قد تحمله المرحلة المقبلة من قرارات وتغييرات في عدد من مؤسسات الدولة. وبين ما يتردد في الشارع من توقعات وما يُتداول من أخبار وتحليلات، تبرز إلى الواجهة من جديد عبارة «مدعوم من فوق» أو «مدعوم من الجماعة».
وهذه العبارة ليست حكراً على موظفي دائرة أو مؤسسة بعينها، بل هي تعبير متداول في أوساط مختلفة عندما يراد تفسير بقاء مسؤول أو موظف في موقعه أو استثنائه من قرارات النقل أو التغيير. إلا أنها تبدو أكثر حضوراً وتداولاً في رحاب وزارة الخارجية، وخصوصاً عند الحديث في المجالس عن بعض السفراء والسفيرات الذين تجاوزت مدة وجودهم في مواقعهم ما ينوف عن عشر سنوات، حيث يربط البعض استمرارهم في مواقعهم بما يصفونه بالدعم أو النفوذ.
وبعيداً عن صحة هذه الأحاديث من عدمها، وهي مسألة لا يمكن حسمها بمجرد التداول، يبقى السؤال الأهم: هل ستثبت المرحلة المقبلة، من خلال القرارات الفعلية، أن الجميع يخضعون لما تنص عليه القوانين والأنظمة والتعليمات الناظمة لشؤون الوظيفة العامة، وأن لا أحد يمكن أن يكون بمنأى عن القرارات التي تنطبق عليه؟
فحين تصبح عبارة «مدعوم من فوق» أو «مدعوم من الجماعة» جواز مرور للبقاء في المنصب، يصبح التغيير الحقيقي هو أن تثبت القرارات أن القانون والتعليمات فوق الجميع، وأن لا أحد فوق التقييم والمساءلة أو مستثنى من أحكامها.
في الأردن هناك عبارات لا تحتاج إلى كثير من الشرح حتى يفهم الأردنيون ما وراءها، ومن أكثر العبارات التي تتردد عندما يدور الحديث عن مسؤول أو صاحب موقع مؤثر: «لا تخاف عليه… مدعوم من فوق». أو من الجماعة جمل قصيرة، لكنها في الوعي الشعبي تحمل معنى كبيراً، فهي توحي بأن صاحبها بعيد عن التغيير، وأن موقعه محصّن، وأن رياح الإعفاء أو النقل أو التبديل مهما اشتدت قد لا تصل إليه.
والأخطر من العبارة نفسها أن البعض بدأ يتعامل معها وكأنها حقيقة ثابتة، فيرددها بثقة وكأنها تمنح صاحبها حصانة غير معلنة. وربما أن بعض أصحاب المواقع أنفسهم يستفيدون من انتشار مثل هذه الأقاويل، لأنها تجعل الآخرين يتعاملون معهم باعتبارهم أشخاصاً لا يمكن الاقتراب منهم أو مساءلتهم أو حتى التفكير في تغيير مواقعهم.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، وفي ظل الحديث المتزايد عن تغييرات مرتقبة في عدد من مؤسسات الدولة، هو: هل سيفعلها الملك عبدالله الثاني وينهي عملياً هذه الثقافة؟ هل يمكن أن نشهد مرحلة يصبح فيها واضحاً لكل مسؤول، مهما كان موقعه أو حجم علاقاته، أن لا أحد فوق التقييم، وأن لا أحد محصن من التغيير إذا اقتضت مصلحة الدولة ذلك؟
الأردني الذي يتحدث عن التغيير لا يبحث بالضرورة عن إقالة شخص بعينه، ولا يريد أن تتحول الدولة إلى سلسلة من الإعفاءات والمناقلات لمجرد التغيير. ما يريده المواطن أبسط من ذلك وأعمق في الوقت نفسه؛ يريد أن يعرف أن المعايير واحدة على الجميع، وأن المسؤول الذي ينجح يستمر لأنه ناجح، والمسؤول الذي يفشل يغادر لأنه لم يعد قادراً على أداء واجبه، وأن المنصب العام ليس ملكية خاصة ولا جائزة دائمة ولا حصانة تحمي صاحبها من المحاسبة أو التقييم.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في أن مسؤولاً بقي سنوات طويلة في موقعه، فربما يكون بقاؤه نتيجة نجاحه وخبرته وقدرته على إدارة المؤسسة التي يتولاها. كما أن مغادرة مسؤول لموقعه لا تعني بالضرورة أنه فشل أو أخطأ. المشكلة تبدأ عندما يترسخ لدى المواطن شعور بأن هناك معياراً للمسؤول العادي، ومعياراً آخر لبعض أصحاب النفوذ، وأن هناك أشخاصاً يمكن أن تطالهم رياح التغيير، بينما هناك آخرون لا تصل إليهم مهما كانت الظروف وأمتدت ستوات الخبرة .
ولهذا فإن أي تغيير قادم لن يُقاس بعدد الأسماء التي ستتغير، وإنما بالأسماء التي ستتغير وبالمواقع التي ستشملها القرارات وبالمعيار الذي سيحكمها. فإذا كانت هناك قناعة لدى الناس بأن بعض المسؤولين لا يمكن تغييرهم بسبب ما يقال عن علاقاتهم أو دعمهم، فإن أفضل طريقة لإنهاء هذه القناعة ليست البيانات ولا النفي ولا التسريبات، وإنما القرار نفسه.
قرار هادئ، واضح، قانوني، لا يحتاج إلى كثير من التفسير.
عندما يرى المواطن أن مسؤولاً كبيراً يغادر موقعه في الوقت الذي تقتضي فيه مصلحة المؤسسة ذلك، وأن مسؤولاً آخر يستمر لأنه أثبت كفاءته، وأن التغيير لا يستثني موقعاً أو اسماً لمجرد ما يتردد عن نفوذه، عندها ستبدأ عبارة «مدعوم من فوق» بفقدان مفعولها تدريجياً.
فالملك لا يحتاج إلى أن يقول إن فلاناً ليس محمياً، ولا يحتاج إلى أن يعلن أن علاناً ليس مدعوماً. القرار وحده يستطيع أن يقول ذلك. وإذا أصبحت الرسالة واضحة بأن الجميع يخضعون للتقييم، وأن المنصب تكليف وليس حصانة، فإن ثقافة «هذا لا يمكن الاقتراب منه» ستتراجع من تلقاء نفسها.
لكن العدالة في التغيير لا تعني أن تتم إقالة كل من يثار حوله كلام، ولا أن تصبح الشائعات معياراً لاتخاذ القرار. فالدولة التي تريد بناء الثقة لا تستبدل المحسوبية بالظلم، ولا تستبدل الحماية بالشخصنة. المعيار يجب أن يبقى هو الأداء والكفاءة والمصلحة العامة، لا الكلام المتداول في المجالس ولا رغبات أصحاب النفوذ ولا حملات الضغط.
ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة ليس: من سيذهب ومن سيبقى فقط؟ بل: هل ستصل رسالة واضحة إلى الجميع بأن الموقع العام لا يوفر حصانة، وأن العلاقات الشخصية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الكفاءة، وأن المسؤول مهما علا موقعه يبقى جزءاً من مؤسسة أكبر منه؟
قد تكون التغييرات المقبلة محدودة وطبيعية، وقد تكون أوسع من ذلك. ولا يستطيع أحد أن يجزم مسبقاً بما سيحدث. لكن المواطن يستطيع أن يراقب القرارات، وأن يحكم على ما يراه أمامه، بعيداً عن التسريبات والتوقعات والأسماء التي تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي النهاية، فإن أقوى رسالة يمكن أن تصل إلى الأردنيين ليست خطاباً سياسياً ولا تصريحاً إعلامياً، وإنما ممارسة فعلية تقول إن الدولة لا تعرف «المحصنين»، وإن المنصب ليس ضماناً للبقاء، وإن المسؤول لا يستمد قوته من عبارة يرددها الآخرون بأنه «مدعوم من فوق»، وإنما من ثقة مؤسسته به ومن قدرته على القيام بواجبه.
فإذا حدث ذلك، فلن يكون التغيير مجرد تبديل أسماء ومواقع، بل سيكون تغييراً في قناعة ترسخت عند البعض لسنوات؛ قناعة بأن هناك أشخاصاً تستطيع رياح التغيير أن تعصف بالجميع من حولهم، لكنها لا تستطيع الوصول إليهم.
وحينها فقط ستصبح العبارة التي طالما ترددت في المجالس الأردنية: «لا تخاف عليه… مدعوم من فوق»، أو مدعوم من الجماعة مصطلح متداول ويتردد على ألسنة الناس في الأردن مجرد كلام قديم فقد قدرته على التخويف والتأثير.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن الأردني إجابته من الواقع، لا من التسريبات:
هل سيفعلها الملك؟
الملك الذي ألقى قبل أيام خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولفت الأنظار بما حمله من رسائل واضحة وحازمة، يعرف أكثر من غيره أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تقوله في المحافل الدولية، وإنما أيضاً بما تفعله في الداخل. والخطاب مهما كان قوياً ومؤثراً، تبقى قيمته الحقيقية عندما تتحول مبادئه إلى ممارسة، وعندما يشعر المواطن أن العدالة في تطبيق القانون ليست شعاراً، وأن معيار الكفاءة والمصلحة العامة هو الذي يحكم البقاء في الموقع أو مغادرته.
ولهذا، فإن السؤال اليوم لا يتعلق فقط بمن سيغادر ومن سيبقى، بل بما إذا كانت المرحلة المقبلة ستؤسس لقاعدة واضحة لا تحتاج إلى تفسير: لا «مدعوم من فوق»، ولا «مدعوم من الجماعة»، ولا مسؤول محصّن من التقييم، وإنما مسؤول يستمر بقدر ما يثبت قدرته على خدمة الدولة، ويغادر موقعه عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك، وفق القانون والمؤسسية.
فإذا كانت رسالة الخطاب الملكي في الخارج قد حملت وضوحاً في المواقف، فإن الأردنيين على يقين بأن هذا الوضوح سيُطبَّق بالروح نفسها في الداخل، وأن ينعكس على القرارات والممارسات والمعايير. فالمواطن الأردني لا ينتظر ليرى إن كان ذلك سيحدث، وإنما ينتظر فقط أن يرى ترجمة هذا النهج على أرض الواقع؛ لأنه يثق بأن الإصلاح والتغيير حين يكونان إرادة ملكية، فإنهما لا يبقيان مجرد أمنيات أو توقعات، بل يتحولان إلى قرارات وممارسات تلمسها مؤسسات الدولة والمواطن على حد سواء.
حتماً الأيام والقرارات القادمة هي وحدها ستجيب.