لندن: محمد الطّورة
يهلّ شهر رمضان المبارك كل عام حاملاً معه نسائم الإيمان، ومذكّرًا الإنسان بحقيقة الزمن وسرعة انقضائه. ومع كل إشراقة هلال، نقف أمام محطة روحية عظيمة، لا نستقبلها بالفرح وحده، بل بالتأمل العميق في مسيرة أعمارنا، وما قدّمناه لأنفسنا ولمجتمعنا. فرمضان ليس شهرًا عابرًا في التقويم، بل موسمٌ متجدد لمراجعة الذات، وتصحيح المسار، وإحياء القيم التي تسمو بالإنسان.
ومع دخول هذا الشهر الكريم، يراودنا سؤال مؤثر: أين الذين صاموا معنا في أعوام مضت؟ أين من شاركونا موائد الإفطار، وازدحمت بهم المساجد، وارتفعت معهم الأكفّ بالدعاء؟ لقد مضوا إلى رحمة الله، ولم يذهب معهم من دنياهم إلا أعمالهم الصالحة، وصدقاتهم الجارية، وإحسانهم إلى الأرحام والمحتاجين، وكلماتهم الطيبة التي زرعوها في القلوب. لم تصحبهم مظاهر الحياة ولا زخارفها، بل بقي أثر الخير وحده شاهدًا لهم، وبقيت سيرتهم الطيبة نورًا في ذاكرة من عرفهم.
إن استحضار من سبقونا ليس حزنًا على الفقد بقدر ما هو تذكير بسنّة الحياة، ودعوة صادقة لأن يكون رمضان هذا العام نقطة تحول حقيقية في مسيرتنا. فالصيام الذي شرعه الله تعالى لم يُقصد به الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، وإنما هو عبادة تهدف إلى تحقيق التقوى، وضبط السلوك، وبناء إنسان متوازن يعرف حق ربه وحق نفسه وحق مجتمعه. حين يجوع الصائم ويعطش، يستشعر معاناة المحتاجين، فتتحرك في داخله مشاعر الرحمة، ويتحول الشعور إلى سلوك عملي عنوانه العطاء.
غير أن روح رمضان الحقيقية تتجلى في الاعتدال، لا في الإسراف. فكم من موائد امتلأت بما يفوق الحاجة، وكم من نعم أُهدرت دون تقدير لقيمتها. إن الشهر الفضيل يدعونا إلى حفظ النعمة، وترشيد الاستهلاك، وتوجيه الفائض إلى من هم أولى به. فشكر النعمة لا يكون بالقول فقط، بل بحسن استخدامها وصونها من الضياع، وبجعلها جسرًا للتكافل والتراحم.
وفي هذا السياق، تتأكد أهمية الإحسان بوصفه جوهر الرسالة الرمضانية. فالصدقة في هذا الشهر ليست عملًا عابرًا، بل مسؤولية أخلاقية واجتماعية تُجسد معنى التضامن بين أفراد المجتمع. إن تفطير صائم، أو مساعدة أسرة متعففة، أو صلة رحم انقطعت، أو مواساة محتاج، كلها أعمال تبقى آثارها ممتدة حتى بعد انقضاء الشهر، وربما تكون هي الزاد الحقيقي الذي يرافق الإنسان حين يودع هذه الدنيا.
كما أن الصيام مدرسة أخلاقية متكاملة، تُعلّم ضبط اللسان، وكفّ الأذى، وتجنب الخصومات، وتصفية القلوب من الحقد والبغضاء. فالمجتمع الذي يستقبل رمضان بقلوب متسامحة، ونفوس نقية، هو مجتمع يؤسس لاستقرار دائم لا ينتهي بانتهاء الشهر. وإن أعظم ما يمكن أن نحمله معنا بعد رمضان هو صفاء القلب، واستقامة السلوك، والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
إن رمضان محطة سنوية تتجدد فيها القيم، وتتعمق فيها معاني الرحمة، ويُعاد فيها ترتيب الأولويات. وهو فرصة لأن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا سنحمل معنا من هذا الشهر؟ وهل سيكون لنا فيه أثر يبقى بعد رحيلنا كما بقي أثر من سبقونا؟ إن الأيام تمضي سريعًا، والأعمار تُطوى صفحة بعد صفحة، ولا يبقى للإنسان إلا عمله الصالح وسيرته الحسنة.
فلنجعل من رمضان هذا العام بداية واعية، نُحسن فيها إلى أنفسنا قبل غيرنا، ونمدّ فيها يد العون لكل محتاج، ونحفظ فيها النعمة من الإسراف، ونُطهر فيها قلوبنا من الضغائن. لعلنا نكون ممن إذا ذُكروا بعد أعوام قيل عنهم: كانوا أهل خير وإحسان، وتركوا أثرًا طيبًا لا يزول.
رمضان المبارك مناسبة تتجدد فيها المسؤولية، وتُختبر فيها القيم، ويُكتب فيها تاريخ الإنسان الحقيقي… فطوبى لمن جعل منه طريقًا إلى عمل يبقى، وأثرٍ لا ينقطع، ورحمةٍ تمتد إلى ما بعد العمر. 🌙✨

