لندن: محمد الطورة
بين قسم المهنة ومقتضيات السلطة: حين يقف المحامي على تخوم القانون والسياسة
ليست مهنة المحاماة مجرد وظيفة، بل هي رسالة تتكئ على ركيزتين أساسيتين: الدفاع عن الحقوق، وصون سيادة القانون. يقسم المحامي عند انخراطه في سلك المهنة أن يمارس عمله بشرفٍ واستقلالٍ ونزاهة، وأن يكون صوتاً للعدالة لا صدى للسلطة. غير أن هذا القسم الأخلاقي والمهني يدخل أحياناً في اختبار عسير عندما ينتقل المحامي إلى وظيفة عامة داخل جهاز الدولة، حيث يجد نفسه معنياً بتطبيق تشريعات أو تعليمات قد لا تنسجم – في نظره – مع روح القانون التي تعهد بحمايتها.
هنا ينشأ السؤال الإشكالي: كيف يقبل المحامي، وهو حارس الحقوق، أن يعمل في منظومة قد تفرض عليه تطبيق نصوص أو سياسات يعتقد أنها تميل إلى تغليب مصلحة الحكومة على مصلحة الأفراد؟ وهل في ذلك تناقض مع جوهر المهنة، أم أن الأمر جزء من التعقيد البنيوي للعلاقة بين القانون والسياسة؟
أولاً: التمييز بين القانون كمنظومة، والعدالة كقيمة
القانون، في معناه الوضعي، هو نتاج سلطة تشريعية تمارس اختصاصها باسم الشعب. أما العدالة، فهي قيمة أخلاقية وفلسفية أوسع من حدود النصوص. المحامي في ساحة الدفاع يتعامل غالباً مع القانون بوصفه أداة لحماية الفرد من تعسف السلطة. أما الموظف القانوني داخل الدولة، فيتعامل مع القانون بوصفه إطاراً لتنظيم السلطة ذاتها.
التوتر ينشأ عندما تتسع الفجوة بين النص وروحه، أو بين المشروعية الشكلية والمشروعية الموضوعية. فالتعليمات قد تكون صحيحة من حيث الشكل، لكنها محل جدل من حيث عدالتها أو اتساقها مع المبادئ الدستورية.
ثانياً: هل العمل في الدولة خيانة للمهنة؟
ليس بالضرورة. فالدولة ليست كياناً منفصلاً عن القانون، بل هي الحاضنة المؤسسية له. كثير من أعظم الفقهاء والقضاة والمشرّعين كانوا محامين قبل أن يلتحقوا بمؤسسات الدولة. وجود محامٍ داخل الجهاز العام قد يشكل ضمانة إضافية لاحترام الضوابط القانونية، لا أداة لتكريس الانحراف عنها.
الإشكال الحقيقي لا يكمن في الموقع الوظيفي، بل في حدود الاستقلال المهني داخل ذلك الموقع. فإذا تحوّل المحامي إلى مجرد منفّذٍ بلا رأي قانوني مستقل، أو إلى مبرّرٍ لسياسات يعلم في قرارة نفسه أنها تمس الحقوق، فإنه يكون قد انتقل من ممارسة القانون إلى تسييسه.
ثالثاً: بين الالتزام الوظيفي والضمير المهني
الموظف العام ملتزم بتنفيذ القوانين النافذة ما دامت لم يُقضَ بعدم دستوريتها أو إلغائها. لكن هذا الالتزام لا يلغي حقه – بل واجبه – في إبداء الرأي القانوني المهني داخل المؤسسة، وفي التنبيه إلى مواطن التعارض أو الخلل.
الضمير المهني هنا ليس ترفاً أخلاقياً، بل جزء من البنية القانونية ذاتها. فالقانون لا يحيا بالنصوص وحدها، بل بتفسيراتها وتطبيقاتها. والمحامي الذي يعمل في الدولة يستطيع أن يكون صوت التوازن، وأن يسعى إلى تأويل النصوص بما يحقق الحد الأدنى من العدالة، وأن يدفع باتجاه مراجعة التشريعات من داخل المنظومة.
أما إذا بلغ التعارض حدّاً لا يُحتمل، وأصبح التنفيذ إضراراً بيّناً بالحقوق، فإن الاستقالة – أو الامتناع القانوني المشروع – تظل خياراً أخلاقياً، وإن كان مكلفاً.
رابعاً: السياسة كحقل ضغط لا يمكن تجاهله
لا يمكن إنكار أن القانون في الدول الحديثة لا ينفصل كلياً عن السياسة. التشريع نفسه فعلٌ سياسي، وتطبيقه يتأثر بموازين القوى. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن القانون يسعى إلى ضبط السياسة، بينما تسعى السياسة أحياناً إلى تطويع القانون.
المحامي الذي يعمل في الدولة يقف في هذه المنطقة الرمادية؛ إما أن يكون جسراً يذكّر السلطة بحدودها القانونية، أو أن يتحول إلى أداة تُضفي المشروعية على قرارات سياسية مثيرة للجدل. الفرق بين الحالتين ليس في النصوص، بل في الموقف.
خاتمة: المعضلة ليست في الموقع بل في الموقف
قبول المحامي وظيفة في الدولة لا يُعدّ في ذاته خروجاً عن روح المهنة، بل قد يكون امتداداً لها في مجال مختلف. غير أن المعيار الحقيقي هو مقدار حفاظه على استقلال رأيه، وجرأته في إبداء المشورة القانونية الصادقة، واستعداده لتحمّل تبعات موقفه إن تعارضت القناعة مع التوجيه.
في نهاية المطاف، يظل السؤال مفتوحاً: هل القانون أداة في يد السلطة، أم أن السلطة مقيدة بالقانون؟ الإجابة لا تُحسم بالنصوص وحدها، بل بمواقف الرجال والنساء الذين يحملون لقب “محامٍ” – سواء وقفوا في قاعة المحكمة دفاعاً عن فرد، أو جلسوا في مكاتب الدولة صياغةً لتعليمات تمس حياة الناس.
فالمحاماة، في جوهرها، ليست موقعاً وظيفياً… بل موقفاً أخلاقياً دائم الاختبار.

