في زوايا الذاكرة الشعبية لمدينة عمّان، تقف حكايات رجالٍ بسطاء صنعوا لأنفسهم مكانةً لا تُشترى بالذهب، بل تُحفر في القلوب. ومن بين هؤلاء، يبرز اسم أبو أحمد عمر محمد حمزة، المعروف لدى أهل العاصمة بـ بائع الفستق.
كان أبو أحمد واحدًا من معالم سوق الصاغة، ذلك السوق الذي تتلألأ فيه المعادن النفيسة، بينما كان هو يقف بصينيته المتواضعة يبيع المكسرات الطازجة، شامخًا بكرامته، غنيًّا بقناعته. يكاد كل من مرّ بهذا السوق أن يكون قد رآه أو عرفه؛ رجلٌ هادئ، صامت، يزاول عمله بإصرار لا يعرف الكلل.
لم تكن مهنة أبي أحمد طريقًا مفروشًا بالراحة، فقد واجه برد الشتاء القارس وحرّ الصيف اللاهب دون وسائل تدفئة أو تبريد، ومع ذلك لم يتذمّر، ولم يمدّ عينيه إلى ما في أيدي غيره. في قلب سوق الذهب، اختار أن يكون غنيّ النفس، مقتنعًا برزقه الحلال، مؤمنًا بأن الكرامة أثمن من كل ما يلمع.
عمل أبو أحمد بصدق وأمانة، يومًا بعد يوم، ليؤمّن قوتَه وقوتَ أولاده، حتى وافاه الأجل قبل سنوات، تاركًا خلفه سيرةً عطرة، ودروسًا صامتة في الصبر والقناعة والرضا بما قسمه الله.
رحم الله أبا أحمد، فقد كان مثالًا حيًّا لمعنى القناعة الحقيقية، وبرهانًا على أن الغنى ليس بما نملك، بل بما نرضى.
ونحن على ابواب قدوم الشهر الفضيل، لا نملك له إلا الدعاء، وقراءة الفاتحة على روحه الطاهرة، سائلين الله أن يجعل ما قدّمه في ميزان حسناته.

