لندن: محمد الطّورة
حين تُستباح حرمة الموت… ماذا يبقى من حرمة الحياة؟
ثمة مآسٍ لا يكفي أن نقف أمامها دقيقة صمت، ولا تستطيع الكلمات، مهما بلغت فصاحتها، أن تمنحها تفسيراً يليق بحجم الخراب الذي تتركه في الروح. وثمة جرائم لا تقع على أجساد الضحايا وحدهم، بل تقع على المعنى، على الذاكرة، على فكرة الإنسان، وعلى ذلك العقد الأخلاقي غير المكتوب الذي يجعلنا نؤمن بأننا، رغم اختلافاتنا، ننتمي إلى إنسانية واحدة ووطن واحد.
ما حدث في كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بالكرك لم يكن مجرد جريمة إطلاق نار، ولم يكن اعتداءً على مجموعة من المواطنين كانوا يؤدون طقساً دينياً أو يشاركون في مراسم تشييع. لقد كان اعتداءً على الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة، وعلى الموت في أكثر طقوسه قداسة، وعلى حق الحزن نفسه في أن يكون آمناً.
تسعة أرواح غادرت الحياة، وأربعة وثلاثون جريحاً حملوا آثار تلك اللحظة الدامية، في جريمة استهدفت مشيّعين في مكان كان يفترض أن يكون ملاذاً للسكينة، لا مسرحاً للرصاص. وهنا لا يعود السؤال: من قتل من؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلاماً: كيف استطاع إنسان أن يرى إنساناً آخر في لحظة وداعه، ثم يختار أن يضيف إلى موته موتاً آخر؟
في الأردن، من يعزّي من؟
هل يعزّي المسلم المسيحي؟ أم يعزّي المسيحي المسلم؟ أم أن السؤال ذاته أصبح أصغر من الفاجعة، لأننا لم نعد أمام جماعة تعزّي جماعة، بل أمام وطن يعزّي ذاته، وأمام ضمير جمعي أصابه جرح لا تحدّه الجغرافيا ولا تختصره الطائفة؟
إن العزاء، في معناه الفلسفي، ليس مجرد مواساة لمن فقد عزيزاً، بل هو اعتراف بأن الفقد لم يحدث في حياة الآخرين وحدهم، وإنما مسّ شيئاً من وجودنا جميعاً. وحين يُقتل إنسان لأنه ينتمي إلى جماعة أو يُستهدف في فضاء عبادته، فإن الخسارة لا تعود ملكاً لعائلته وحدها، بل تصبح خسارة في الرصيد الأخلاقي للمجتمع بأكمله.
فالوطن ليس حدوداً مرسومة على الخرائط، ولا نشيداً نردده في المناسبات، ولا علماً نرفعه فوق المباني. الوطن هو أن يشعر الإنسان أن وجوده فيه ليس موضع تساؤل، وأن اختلافه لا ينتقص من حقه في الحياة، وأن صلاته، أياً كانت وجهتها، لا تجعله أقل استحقاقاً للأمان من جاره.
ومن هنا، فإن استهداف الكنيسة لا يعني استهداف المسيحيين وحدهم، بل يعني الاعتداء على فكرة المواطنة التي لا تقبل التجزئة. فالكنيسة ليست حجراً وجرساً ومذبحاً فحسب؛ إنها ذاكرة عائلات، وأسماء أجداد، وتاريخ قرى، ووجوه أمهات، وطفولة تشكلت في أزقة هذا البلد. وكذلك المسجد ليس مجرد بناء، بل ذاكرة ووجدان وانتماء. وكلاهما، في جوهره الإنساني، شاهد على حاجة الإنسان إلى الطمأنينة والمعنى.
المأساة الأعمق: حين يفقد الشر قدرته على رؤية الإنسان
إن أكثر ما يثير الرعب في مثل هذه الجرائم ليس الرصاص وحده، بل الفكرة التي تسبقه. فاليد التي تضغط على الزناد لا تولد في فراغ، وإنما تقف خلفها، في الغالب، منظومة من التصورات المشوهة التي أعادت ترتيب العالم داخل عقل صاحبها؛ فألغت الإنسان، ورفعت الوهم إلى مرتبة الحقيقة، وحوّلت الاختلاف من ظاهرة طبيعية إلى تهمة، والآخر من شريك في الحياة إلى عدو يستحق الإقصاء.
وهنا تكمن خطورة التطرف: إنه لا يكتفي بأن يكره المختلف، بل يسعى إلى نزع إنسانيته منه، لأن الإنسان، ما دام إنساناً في نظر قاتله، يصعب قتله. لذلك يبدأ العنف الحقيقي قبل الرصاصة؛ يبدأ حين يُختزل الآخر في هويته، وحين يصبح اسمه أو دينه أو انتماؤه أقوى في نظر المتطرف من إنسانيته.
إن المجرم الذي يعتقد أنه يمتلك الحقيقة كاملة، لا يرى في الآخرين بشراً لهم حق الوجود، بل يرى فيهم خطأً ينبغي محوه. وهذه ليست أزمة تدين، بل أزمة عقل وأخلاق ووعي، بل هي خيانة للمعنى الأخلاقي الذي يفترض أن يسمو فوق الأهواء والتعصبات.
فأي عقيدة تلك التي تحتاج إلى دم إنسان كي تثبت حضورها؟ وأي يقين ذلك الذي يخاف من اختلاف الآخر إلى درجة أن يطلب موته؟ وأي إيمان يمكن أن يطمئن إلى نفسه بعدما يمر فوق جثامين أبرياء كانوا يودّعون ميتاً؟
إن الأفكار التي لا تستطيع التعايش مع الإنسان ليست أفكاراً تبحث عن الحقيقة، بل عن السلطة على الآخرين، حتى لو ارتدت ثياب المقدس.
الكرك… حين تصبح الذاكرة أثقل من الجغرافيا
للكرك في الوجدان الأردني مكان يتجاوز حدود المدينة والمحافظة. إنها ذاكرة وطنية، وتاريخ من التضحيات، ومساحة اختلطت فيها حكايات الناس وأحزانهم وأفراحهم، وتجاورت فيها العائلات والعقائد والانتماءات ضمن نسيج اجتماعي لا تختصره التصنيفات الضيقة.
ولذلك فإن ما حدث فيها يحمل دلالة تتجاوز مكان الجريمة. فالكرك التي عرفت معنى الفقد في محطات دامية سابقة، تجد نفسها مرة أخرى أمام سؤال الموت، لكن هذه المرة من بوابة كنيسة، وأمام مشهد تشييع كان ينبغي أن يكون آخر ما يربط الأحياء بالراحلين، فإذا به يتحول إلى مشهد يضيف ضحايا جدد إلى قائمة الغياب.
وليس من العدل أن نختزل الكرك في جريمتها، ولا أن نسمح للمجرمين بأن يحتكروا صورتها. فالمكان أكبر من الذين لوثوه، وتاريخه أعمق من اللحظة التي حاولت أن تكسره.
لكن الوفاء للكرك لا يكون بالاستدعاء العاطفي لتاريخها وحده، بل بحماية قيمها، وبالانتباه إلى أن التعايش ليس حكاية جميلة نرويها عن الماضي، وإنما مسؤولية أخلاقية وسياسية وثقافية يجب أن نعيد إنتاجها كل يوم.
من يعزّي الوطن حين يكون الخلل في الوعي؟
هنا نصل إلى السؤال الذي ينبغي ألا نهرب منه.
من يعزّي الوطن حين لا تكون الفاجعة مجرد خسارة أرواح، بل إنذاراً بوجود خلل في قدرة بعض العقول على فهم الآخر وقبول حقه في الحياة؟
ومن يعزّي المجتمع حين يكتشف أن التسامح الذي يفاخر به لا يكفي وحده ما لم يتحول إلى ثقافة راسخة، وأن التعايش الذي نتغنى به لا يمكن أن يبقى مجرد إرث اجتماعي ما لم تحرسه التربية، والعدالة، وسيادة القانون، ومواجهة خطاب الكراهية؟
إن الأمن يستطيع أن يلاحق الجريمة، والقضاء يستطيع أن يحاسب مرتكبيها، والدولة تستطيع أن تفرض هيبة القانون، وكل ذلك واجب لا يقبل التهاون. لكن ثمة معركة أخرى لا تنتهي بإلقاء القبض على المجرمين، وهي معركة تفكيك الفكرة التي جعلت من قتل الإنسان أمراً ممكناً في ذهن صاحبه.
فالمجتمع الذي يريد حماية نفسه لا يكفيه أن يسأل: كيف نمنع الجريمة المقبلة؟ بل عليه أن يسأل أيضاً: كيف تشكل الوعي الذي سمح لهذه الجريمة بأن تولد؟ وكيف نمنع الكراهية من التحول إلى لغة، والتحريض من التحول إلى ثقافة، والتعصب من التحول إلى معيار للحكم على البشر؟
إن مواجهة التطرف لا تكون بتطرف مضاد، ولا بتبادل الاتهامات، ولا بفتح أبواب الشك بين مكونات المجتمع. فالتعميم ظلم آخر، والكراهية التي ترد على الكراهية لا تصنع عدالة، بل توسع دائرة الخراب.
العدالة أن يُحاسب الجاني بصفته الفردية، وأن يُكشف كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، وألا تتحول جريمة ارتكبها متطرفون إلى إدانة لجماعة دينية أو اجتماعية بأكملها.
ليس المطلوب أن نتشابه كي نكون وطناً
من الأخطاء العميقة في التفكير الوطني أن نتعامل مع الاختلاف بوصفه مشكلة ينبغي احتواؤها، بدلاً من فهمه بوصفه حقيقة إنسانية لا تستقيم الحياة دون الاعتراف بها.
فالوطن الذي لا يتسع للاختلاف ليس وطناً آمناً، بل مساحة مؤقتة لتأجيل الصراع. والوحدة التي تشترط التشابه ليست وحدة، وإنما إلغاء متبادل للخصوصيات.
إن قوة الأردن لا تكمن في أن يكون أبناؤه نسخة واحدة من بعضهم، بل في قدرتهم على أن يكونوا مختلفين دون أن يصبح اختلافهم سبباً للعداء. فالمسيحي ليس ضيفاً على وطنه، والمسلم ليس مطالباً بإثبات حقه في الانتماء، ولا يحتاج أي مواطن إلى شهادة من أحد كي يكون أردنياً.
المواطنة ليست منحة تمنحها الأكثرية للأقلية، ولا تسامحاً يمارسه طرف تجاه طرف آخر، بل حق متساوٍ، وكرامة متساوية، ومسؤولية مشتركة.
ولهذا، فإن الحديث عن التعايش بعد جريمة الكرك لا ينبغي أن يكون حديثاً عن التسامح مع المختلف، بل عن الاعتراف بأن المختلف شريك أصيل في صياغة هويتنا الوطنية، وأن الاعتداء عليه هو اعتداء على جزء من ذواتنا.
وفي النهاية… من يعزّي من؟
ربما يعزّي الأب أبناءه، وتعزّي الأم قلبها، وتعزّي العائلة عائلتها، ويقف الجيران إلى جانب بعضهم في لحظة لا تستطيع الكلمات فيها أن تفعل الكثير.
لكن من يعزّي طفلاً فقد أباه؟ ومن يعزّي أماً أصبح صوت الرصاص آخر ما سمعته عن ابنها؟ ومن يعزّي عائلة كانت ذاهبة إلى تشييع فقيد، فعادت تحمل أكثر من فاجعة؟ ومن يعيد إلى الناجين إحساسهم البسيط بالأمان، ذلك الإحساس الذي كان يبدو عادياً قبل أن يصبح حلماً؟
ومن يعزّي وطناً اكتشف أن الجرح الذي يصيب جزءاً منه يمكن أن ينزف في جسد الجميع؟
لعل الجواب أن الأردن لا يحتاج اليوم إلى عزاء متبادل بين مكوناته بقدر ما يحتاج إلى تجديد العهد الأخلاقي بين أبنائه؛ عهد يقول إن الدم الأردني لا لون له، وإن قداسة الإنسان تسبق كل تصنيف، وإن لا دين يمكن أن يكون ذريعة لقتل إنسان، ولا فكرة تستحق أن تُرفع فوق حياة بريء.
نحتاج إلى دولة عادلة لا تكتفي بإدانة الجريمة، بل تلاحق أسبابها، وإلى مجتمع لا يكتفي بالتعاطف، بل يرفض التحريض، وإلى خطاب ديني وثقافي يعيد الاعتبار للإنسان قبل أن يتحدث عن الجماعة، وإلى ذاكرة وطنية لا تسمح للنسيان أن يتحول إلى تكرار.
إن العزاء الحقيقي ليس أن نقول لأهالي الضحايا: نحن معكم، ثم نعود إلى حياتنا كأن شيئاً لم يحدث. العزاء الحقيقي أن نمنع تكرار ما حدث، وأن نعيد بناء المعنى الذي حاولت الرصاصة هدمه.
ولعل أكثر ما يليق بهذه اللحظة أن نتذكر أن الوطن ليس مسجداً بجوار كنيسة، ولا كنيسة بجوار مسجد فحسب؛ الوطن هو أن يكون الإنسان آمناً أمام باب بيته، وفي طريقه إلى عبادته، وفي لحظة دفنه لأحبائه، وفي كل مكان يذهب إليه بقلب لا يحمل سوى حقه في الحياة.
في الأردن، من يعزّي من؟
يعزّي الأردني أخاه الأردني، ويعزّي الإنسان الإنسان، ويعزّي الوطن أبناءه، لكن الحقيقة الأعمق أن الجميع يقف اليوم أمام واجب واحد: أن لا نترك الكراهية تنتصر على تاريخنا، ولا نسمح للرصاص بأن يعيد تعريف هويتنا، ولا نسمح للمتطرفين بأن يقرروا من يستحق أن يعيش بيننا.
فالكنيسة التي استُهدف فيها المشيعون ليست وجع المسيحيين وحدهم، كما أن المسجد ليس وجع المسلمين وحدهم.
إنها جراح الوطن حين يُصاب الإنسان.
رحم الله ضحايا كنيسة الكرك، ومنح أهلهم الصبر، وشفى المصابين، وحمى الأردن من كل فكر يرى في اختلاف الإنسان جريمة، وفي قتله انتصاراً.
فليس السؤال في النهاية من يعزّي من… بل كيف نضمن ألا يقف الأردن مرة أخرى أمام السؤال ذاته.