لندن: محمد الطّورة

– هل أصبح الغنى في الأردن نقطة سلبية في سيرة الإنسان في موسم الإنتخابات؟
– المجتمع الذي يحترم النجاح لا يمنح الثروة حصانة، لكنه لا يحولها أيضًا إلى تهمة
– الإعلام الذي يؤدي دوره بمسؤولية لا يتخلى عن حقه في السؤال، لكنه يحرص على ألا تتحول الأسئلة إلى أحكام مسبقة
– هل المال في الانتخابات دليل على شراء الذمم؟
ليس كل مال نفوذًا، وليس كل ثراء موضع شبهة
– لماذا يتحول المال إلى عنوان للنقاش؟
– هل نُحسن اختيار أسئلتنا؟
– هل الثروة معيار للكفاءة؟
– ماذا نتعلم من التجربة الانتخابية الأمريكية؟
– أليس الأجدر أن نناقش ما يقدمه المرشح؟
– هل أصبح النجاح الاقتصادي مدعاة للتشكيك؟
– هل أصبح الثراء في الأردن تهمة؟ حين تجتمع الثروة مع العلم والخبرة
– في النهاية، هل نقيّم الإنسان بما يملك أم بما يقدم؟
مع كل استحقاق انتخابي يتعلق برئاسة مجلس النواب الأردني، يتكرر مشهد إعلامي يستحق التوقف عنده والتأمل في دلالاته. فما إن تبدأ الأسماء بالتداول، حتى تبدأ الأسئلة والتعليقات حول الأوضاع المالية للمرشحين، وكأن امتلاك المال أصبح أمرًا يستدعي الاستغراب، أو أن الثراء بحد ذاته يحتاج إلى تبرير.
وهنا يبرز السؤال: هل أصبح الغنى في الأردن نقطة سلبية في سيرة الإنسان، حتى لو اقترن بالعلم والخبرة والتجربة والنجاح؟ ولماذا يتحول المال أحيانًا إلى عنوان للنقاش، قبل أن نتوقف عند ما يمتلكه صاحبه من معرفة وخبرة وقدرة على تحمل المسؤولية؟
ليس المقصود هنا التقليل من أهمية المال في الحياة العامة، ولا الاعتراض على حق الإعلام في تناول مختلف جوانب حياة الشخصيات العامة، وإنما الدعوة إلى قدر أكبر من الموضوعية والتوازن في تناول هذه القضايا. فالثراء، شأنه شأن محدودية الدخل، لا يكفي وحده للحكم على الإنسان، ولا يصلح معيارًا منفردًا لتقييم كفاءته أو نزاهته أو قدرته على أداء دوره.
فالغنى ليس عيبًا، كما أن الفقر ليس فضيلة بحد ذاته. والناس يختلفون في تجاربهم ومسارات نجاحهم وإمكاناتهم، ومن الطبيعي أن نجد بين من يتقدمون للعمل العام أشخاصًا حققوا نجاحات اقتصادية وراكموا ثرواتهم، إلى جانب آخرين تميزوا في مجالات مختلفة، من دون أن يكون الوضع المالي وحده معيارًا للمفاضلة بينهم.
المال حاضر في الانتخابات حول العالم
إذا نظرنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، نجد أن الوضع المالي للمرشحين، وحجم الإنفاق على حملاتهم الانتخابية، والتبرعات التي يتلقونها، تحظى باهتمام واسع في وسائل الإعلام. فالمال جزء من واقع الانتخابات الحديثة، سواء أكان من الموارد الشخصية للمرشح أم من مساهمات الداعمين وفق القواعد المنظمة للعملية الانتخابية.
لكن وجود المال في المشهد الانتخابي لا يعني، بحد ذاته، شراء الذمم أو التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين. فهناك فرق واضح بين تمويل حملة انتخابية وما تتطلبه من تنظيم وتواصل وإعلانات ولقاءات، وبين استخدام المال لشراء الأصوات أو التأثير في حرية الاختيار.
إن الحملات الانتخابية تحتاج إلى موارد مالية، والقدرة على توفير هذه الموارد قد تتيح للمرشح مساحة أوسع للتواصل مع الناخبين وعرض أفكاره وبرنامجه. وهذا لا يعني أن صاحب المال أكثر استحقاقًا من غيره، أو أن المال يضمن النجاح، وإنما يعني أن وجوده في العملية الانتخابية حقيقة ينبغي التعامل معها بواقعية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
ولعل الدرس الأهم هنا هو أن النقاش حول المال ينبغي ألا يتحول تلقائيًا إلى تشكيك في صاحبه، بل أن يُفهم ضمن سياقه الأوسع، باعتباره أحد جوانب العملية الانتخابية، لا اختصارًا لشخصية المرشح أو مقياسًا وحيدًا للحكم عليه.
لماذا يتحول المال إلى عنوان للنقاش؟ وهل نُحسن اختيار أسئلتنا؟
في الأردن، وعند الحديث عن المرشحين لرئاسة مجلس النواب، يبدو أحيانًا أن الأوضاع المالية لبعض المرشحين تتقدم إلى واجهة النقاش، وتحظى باهتمام يفوق ما يُمنح لخبراتهم السياسية، وتجاربهم التشريعية، وقدرتهم على إدارة المجلس والتعامل مع التحديات الوطنية.
وهنا لا يتعلق الأمر بحق الإعلام في السؤال، بقدر ما يتعلق بطبيعة الأسئلة التي تُطرح، والأولويات التي تُمنح لها، ومدى التوازن في تناول المرشحين.
فلماذا يصبح المال عنوانًا بارزًا للنقاش، بينما لا تحظى الخبرة والعلم والتجربة بالقدر نفسه من الاهتمام؟ ولماذا قد تتحول ثروة يمتلكها أحد المرشحين إلى مادة للتساؤل والاستنكار، وكأنها تنتقص من صورته، بدلًا من أن تكون مجرد جانب من جوانب حياته ومسيرته؟
إن القضية ليست في السؤال عن المال، بل في انتقائية السؤال، وفي الانطباع الذي قد تصنعه طريقة طرحه.
فقد يمتلك الإنسان ثروة إلى جانب علم وخبرة وتجربة طويلة في الحياة والعمل، لكن النقاش العام قد يختزل صورته في جانبه المالي، وكأن هذا الجانب هو ما ينبغي أن يعرّف الناس به أولًا. وهنا تكمن المفارقة: أن تتراجع الأسئلة المتعلقة بما يستطيع المرشح تقديمه للمؤسسة التشريعية والوطن، بينما تتقدم تفاصيل وضعه المالي إلى صدارة المشهد.
أليس من الأجدى أن يتسع النقاش ليشمل مجمل تجربة المرشح، وما يحمله من أفكار ورؤى، ومدى معرفته بالعمل البرلماني، وقدرته على إدارة الحوار، والتعامل مع الاختلاف، وفهم التحديات الوطنية؟ أليس من الإنصاف أن ننظر إلى الإنسان بوصفه حصيلة تجربة متكاملة، لا أن نختزل سنوات عمله ونجاحه في رقم أو تقدير مالي؟
إن رئاسة مجلس النواب مسؤولية عامة، ومن الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى من يتنافسون عليها. لكن تقييم المرشحين ينبغي أن يستند إلى معايير متعددة، في مقدمتها الخبرة والقدرة على إدارة الحوار، وفهم العمل البرلماني، واحترام دور المجلس، والتعامل مع القضايا الوطنية، إلى جانب النزاهة والالتزام بالقانون.
والمطلوب ليس تجاهل المال أو التقليل من أهميته، وإنما وضعه في سياقه الطبيعي، من دون أن يتحول إلى معيار انتقائي يُستخدم لإثارة الانطباعات حول شخص دون غيره، أو إلى عنوان يطغى على ما يمتلكه من علم وخبرة وتجربة.
فالموضوعية لا تعني أن نطرح الأسئلة فحسب، بل أن نُحسن اختيارها، وأن نطرحها بمعايير متوازنة، وأن نمنح كل جانب من جوانب التقييم ما يستحقه من اهتمام.
ليس كل مال نفوذًا، وليس كل ثراء موضع شبهة
من المهم ألا نخلط بين امتلاك المال واستخدامه للتأثير في الآخرين. فالثروة في حد ذاتها لا تعني أن صاحبها يسعى إلى شراء النفوذ، مثلما أن محدودية الإمكانات المالية لا تعني تلقائيًا أن صاحبها أكثر استقلالًا أو نزاهة.
كما أن القدرة على تمويل حملة انتخابية لا ينبغي أن تُفهم تلقائيًا على أنها محاولة لشراء أصوات الناخبين. فالفارق واضح بين الإنفاق المشروع الذي يتيح للمرشح عرض برنامجه والتواصل مع الناس، وبين الممارسات التي تمس حرية الاختيار أو تتجاوز القانون.
ولا يعني ذلك منح أصحاب الثروات امتيازًا خاصًا، أو اعتبار المال دليلًا على الاستحقاق، بل التأكيد على أن المعيار ينبغي أن يكون واحدًا للجميع. فالمال وحده لا يصنع قائدًا، كما أن محدودية المال لا تنتقص من قدرات الإنسان. وما يستحق التقدير هو اجتماع المعرفة والخبرة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية، بصرف النظر عن الوضع المالي.
دعوا الناس يُقيَّمون بما يقدمونه
ربما آن الأوان لأن نراجع الطريقة التي نتناول بها المرشحين في نقاشاتنا العامة. فبدلًا من أن يكون السؤال الأول عن حجم الثروة، يمكن أن يكون السؤال الأهم عن التجربة والخبرة والرؤية والقدرة على الإنجاز.
ليس مطلوبًا من الإنسان أن يعتذر عن نجاحه، ولا أن يصبح امتلاكه للمال سببًا للتشكيك فيه. وفي المقابل، لا ينبغي أن تمنحه ثروته أفضلية تلقائية على سواه. فالمجال العام يتسع للجميع، وتبقى الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الناس هي الأساس.
إن المجتمع الذي يحترم النجاح لا يمنح الثروة حصانة، لكنه لا يحولها أيضًا إلى تهمة. والإعلام الذي يؤدي دوره بمسؤولية لا يتخلى عن حقه في السؤال، لكنه يحرص على ألا تتحول الأسئلة إلى أحكام مسبقة، أو أن تصبح بعض التفاصيل الشخصية محورًا يطغى على جوهر المنافسة.
إن المشكلة ليست في أن يكون المرشح غنيًا، بل في أن يتحول غناه إلى عنوان يطغى على كل ما عداه.
وفي نهاية المطاف، حين نناقش أسماء المرشحين لرئاسة مجلس النواب، فلنمنح العلم والخبرة والتجربة ما تستحقه من اهتمام، ولنتعامل مع المال بوصفه جانبًا من جوانب حياة الإنسان، لا حكمًا مسبقًا على شخصيته أو نواياه، ولا معيارًا منفردًا لتقييمه.
فليس كل غني مؤهلًا للمسؤولية لمجرد غناه، وليس كل محدود الدخل عاجزًا عنها. وبين هاتين الحقيقتين، تبقى العدالة في التقييم، والموضوعية في النقاش، واحترام تجارب الناس، هي ما نحتاج إليه في حياتنا العامة.
فهل نناقش المرشحين لرئاسة مجلس النواب بما يمتلكونه من علم وخبرة ورؤية وقدرة على تحمل المسؤولية، أم أننا، أحيانًا، نسمح لانتقائية الأسئلة بأن تجعل المال يتقدم على حساب الأسئلة الأهم؟