أعلنت دولة الإمارات ترشيح وزيرة الدولة لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وفي التوقف عند دلالات هذا الترشيح يمكن القول إنه يعكس تطور الحضور الإماراتي في المؤسسات الدولية.
كما يقدم هذا الترشيح نموذجا لتراكم الخبرة الدبلوماسية وقدرتها على الوصول إلى مواقع التأثير في صناعة القرار العالمي.
ولعل من أهم ما يكشفه هذا الترشيح أن المكانة الدولية للدول ترتبط بقدرتها على بناء مؤسسات فاعلة وإعداد كفاءات تمتلك الخبرة والمعرفة والقدرة على إدارة الملفات المعقدة. وقد استطاعت الإمارات خلال العقود الماضية ترسيخ حضورها في العمل الدولي متعدد الأطراف، وتقديم شخصيات دبلوماسية تولت مسؤوليات مهمة في المنظمات الدولية، ويأتي ترشيح نسيبة في سياق هذا المسار الذي يستحق القراءة والتحليل.
الوصول إلى مواقع القيادة في المؤسسات الدولية يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والخبرة والقدرة على بناء التوافقات بين الدول. وقد أمضت لانا نسيبة أكثر من عقد في أروقة الأمم المتحدة مندوبة دائمة لدولة الإمارات بين عامي 2013 و2024، وتولت خلال هذه الفترة مسؤوليات متعددة، من بينها رئاسة مجلس الأمن خلال فترتي الرئاسة الإماراتية عامي 2022 و2023، إلى جانب منصب نائب رئيس الجمعية العامة ورئاسة المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
وقد أتاحت لها هذه التجربة التعامل مع قضايا السلم والأمن الدوليين والتنمية المستدامة والعمل الإنساني، والمشاركة في مفاوضات معقدة بين دول تتباين مصالحها ومواقفها السياسية. ولعل هذه الخبرة تمثل أحد أبرز عناصر مسيرتها الدبلوماسية، خصوصا في ظل التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة.
ومن المحطات المهمة في مسيرتها مشاركتها في الجهود الدبلوماسية المرتبطة باعتماد عدد من قرارات مجلس الأمن، ومنها القرار 2686 بشأن التسامح والسلام والأمن، والقرار 2720 المتعلق بتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. وتكشف هذه التجارب طبيعة العمل الدبلوماسي داخل المؤسسات الدولية، حيث تتطلب صياغة القرارات وإقرارها مفاوضات دقيقة وقدرة على تقريب المواقف المتباعدة والوصول إلى تفاهمات بين الأطراف المختلفة.
ولعل من أهم الدروس التي تقدمها هذه التجربة أن الدبلوماسية الفاعلة تقوم على المعرفة العميقة بالقضايا الدولية وفهم المصالح المتعارضة والقدرة على استخدام أدوات الحوار والتفاوض للوصول إلى نتائج عملية. وهي مهارات تكتسب أهمية خاصة عند الحديث عن قيادة منظمة تضم 193 دولة وتواجه تحديات سياسية وأمنية وإنسانية متزايدة.
ويأتي هذا الترشيح في مرحلة تواجه فيها الأمم المتحدة تحديات تتعلق بفاعلية مؤسساتها وقدرتها على الاستجابة للأزمات الدولية. فالحروب والنزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية وتراجع الثقة في العمل متعدد الأطراف تفرض على الأمين العام المقبل مسؤوليات كبيرة تتصل بإصلاح آليات العمل وتعزيز الوقاية من النزاعات وتطوير أدوات الاستجابة الدولية.
وقد طرحت نسيبة ضمن رؤيتها للمنصب أولويات تتعلق بالإصلاح المؤسسي وتعزيز المساءلة والوقاية من النزاعات وتقريب الأمم المتحدة من المجتمعات التي تخدمها. ولعل من الدلالات المهمة لهذا الترشيح أيضا أنه يفتح النقاش حول حضور المرأة في قيادة المؤسسات الدولية، خصوصا أن منصب الأمين العام للأمم المتحدة ظل منذ تأسيس المنظمة عام 1945 حكرا على الرجال.
ويكتسب ترشيح نسيبة أهمية إضافية في ضوء تجربتها الطويلة في العمل الدبلوماسي ومشاركتها في ملفات دولية متعددة، فضلا عن التأييد الذي حظي به ترشيحها من دول مجلس التعاون الخليجي.
ومن هنا، فإن هذا الترشيح يشكل محطة جديدة في مسيرة الدبلوماسية الإماراتية، ويفتح المجال أمام نقاش أوسع حول مستقبل القيادة الأممية ودورها في مواجهة التحديات الدولية. أما الاختبار الحقيقي للأمين العام المقبل فسيكون في قدرته على تعزيز فاعلية المنظمة واستعادة الثقة بمؤسساتها وترجمة مبادئ القانون الدولي إلى ممارسات تحمي الإنسان وتصون كرامته.
ولعل العالم اليوم، في ظل ما يشهده من أزمات متلاحقة، يحتاج إلى قيادة أممية تمتلك الخبرة والرؤية والقدرة على بناء التوافقات، وتعيد للعمل الدولي المشترك مكانته في حماية السلم والأمن الدوليين.