لم تكن الجريمة الإرهابية التي قيل إنها استهدفت كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في محافظة الكرك الأردنية، في أكتوبر 2026، مجرد اعتداء على أبرياء اجتمعوا في دار عبادة.
فوفق الرواية المتداولة عن الحادثة، كانت الجريمة عدوانًا على حرمة النفس الإنسانية، وقدسية دور العبادة، وحق الإنسان في الأمن داخل وطنه، مهما كان دينه أو معتقده.
فحين تتحول مناسبة للعزاء إلى مشهد للقتل والدماء، يصبح المجتمع أمام سؤال يتجاوز ملاحقة الجناة إلى مواجهة الخطابات التي قد تجعل استباحة النفس المعصومة أمرًا مقبولًا لدى بعض المتطرفين.
ولا يعني ذلك الجزم بأن خطابًا أو تيارًا بعينه يقف وراء الجريمة قبل أن تكشف التحقيقات عن دوافعها والمسؤولين عنها؛ وإنما يقتضي فتح النقاش حول خطورة التحريض التكفيري، أي توظيف أحكام التكفير في الدعوة إلى العنف أو التمييز ضد المخالفين.
إن مواجهة الإرهاب لا تبدأ من مسرح الجريمة وحده؛ بل تبدأ أيضًا من حماية الوعي الديني من العبث، والتصدي لمن يتصدرون المنابر والمنصات الرقمية، فيصدرون أحكام التكفير بحق المخالفين دون علم راسخ أو اعتبار لشروط الأحكام وموانعها ومآلاتها.
وليس التكفير المتعسف حكرًا على مذهب أو مدرسة عقدية؛ فالتراث الإسلامي بمختلف مدارسه يضم جهودًا علمية معتبرة في ضبط الخلاف والتحذير من استباحة الدماء. وإنما تكمن المشكلة في أصوات متشددة، من خلفيات متباينة، تستغل الخلافات بين السنة والشيعة، أو بين السلفية والأشعرية والماتريدية، أو حول التصوف، لتحويل المسائل العلمية إلى أحكام جماعية في الإيمان والكفر. وهنا يجب التمييز بين الاختلاف العقدي والمذهبي المشروع، والتكفير المتعسف بوصفه انحرافًا في الحكم، والتحريض التكفيري حين يتحول ذلك الحكم إلى وسيلة للدعوة إلى الاعتداء أو التمييز.
وقد تناولتُ الجذر الأول لهذه الأزمة في كتابي «الفرقة الناجية.. وهم الاصطفاء»، من خلال مساءلة روايات حديث الافتراق وطرق الاستدلال بها، وتتبع انتقال مفهوم النجاة، في بعض القراءات، من موضوع للبحث الديني إلى وسيلة لادعاء الامتياز المذهبي واحتكار الحقيقة.
فالمشكلة لا تكمن في اعتقاد الإنسان بصحة ما يراه من أدلة، وإنما في أن يجعل من اعتقاده حكمًا نهائيًا على إيمان الآخرين ومصائرهم. وحين تحتكر جماعة النجاة وتوزع أحكام الهلاك على مخالفيها، فإنها تصادم المعنى القرآني الذي يرد علم السرائر والمآلات إلى الله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ (النجم:32). فالآية ليست مجرد دعوة إلى التواضع، بل حدٌّ معرفي وأخلاقي يمنع الإنسان من تحويل اجتهاده إلى سلطة مطلقة على ضمائر البشر.
ومن هنا تبرز خطورة الخلط بين الحكم على الأقوال والحكم على الأشخاص، وبين البحث في مسائل الاعتقاد والتكفير المتعسف للأعيان والجماعات. فالاختلاف في تقرير مسألة عقدية لا يبيح إخراج المخالف من الإسلام دون تحقق الضوابط الشرعية، فضلًا عن إهدار حقوقه أو التحريض على العنف ضده. ولذلك جاء التحذير النبوي شديدًا في قوله ﷺ: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما» (متفق عليه).
وقد حرص علماء الأصول والفقه والعقيدة على التمييز بين الحكم على القول وتنزيل الحكم على المعيّن، بما يقتضيه ذلك من تحقق الشروط وانتفاء الموانع ومراعاة الملابسات. فكيف يجوز بعد ذلك أن يتحول حساب على وسائل التواصل الاجتماعي إلى مرجع لإصدار أحكام التكفير، وأن يصبح مقطع مصور مدته دقائق بديلًا عن العلم والتحقيق والإنصاف؟
أما الجذر الثاني للأزمة، فقد عالجتُه في كتابي «آية السيف: نص في سياق أم ذريعة في صراع؟ تجديد رؤية الفقيه للعالم والإنسان»، حيث ناقشتُ خطورة تحويل نصوص القتال من أحكام مرتبطة بسياقاتها ومناطاتها إلى فلسفة دائمة للصراع مع المخالف في الدين.
فليس كل اختلاف بين النصوص تعارضًا حقيقيًا، وليس كل تعارض ظاهري موجبًا للنسخ؛ إذ إن النسخ في علم الأصول رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر، وله شروطه وأدلته. ولا يجوز التوسع في دعواه حتى يُقال إن آيات القتال ألغت المبادئ القرآنية المؤسسة للبر والعدل والوفاء بالعهد.
وإذا قرر القرآن: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (الممتحنة: 8)، فإن هذا الخطاب لا يجوز إفراغه من دلالته التشريعية والأخلاقية لمصلحة قراءة تجعل العلاقة مع المختلف قائمة على العداء الدائم.
وتلتقي أطروحتا الكتابين عند نقطة أصولية وسياسية حاسمة: فادعاء احتكار النجاة قد يمنح المتشدد شعورًا بالامتياز العقدي، والقراءة المجتزأة لنصوص القتال قد توفر له مسوغًا لمعاداة المخالف؛ وإذا اجتمع التصوران مع التكفير المتعسف، أمكن أن ينشأ خطاب تكفيري يتحول، في صوره الأشد خطرًا، إلى تحريض على العنف أو التمييز.
ومن هنا فإن تجديد النظر الفقهي لا يعني التخفف من النصوص، بل الالتزام بأصول فهمها، والتمييز بين الوحي والاجتهاد البشري، وبين الحكم الشرعي وشروط تنزيله، وبين مسائل الاعتقاد والحقوق التي يكفلها القانون لجميع المواطنين.
وتظهر النتائج السياسية لهذا الخلل حين ينتقل الخطاب من مناقشة العقائد إلى إعادة تصنيف المواطنين بحسب انتماءاتهم الدينية. ولذلك يثير وصف المسيحي الأردني بأنه «مستأمن»، بدلًا من الاعتراف الصريح بمواطنته، إشكالًا يستحق النقد إذا كان المقصود به الانتقاص من حقوقه أو التعامل معه باعتباره غريبًا عن وطنه. فالمسيحي الأردني ليس وافدًا يطلب الأمان من جماعة دينية، ولا ضيفًا يتوقف حقه في الحياة والكرامة على تسامح الأكثرية؛ إنه مواطن أصيل يتمتع بالمواطنة المتساوية، وشريك في تاريخ الأردن وحاضره ومستقبله. ولا يصح نقل وصف فقهي نشأ في سياقات تاريخية لتنظيم العلاقة مع غير المواطنين، ثم استخدامه لتقييد حقوق المواطن في الدولة المعاصرة.
وليس في تقرير المواطنة المتساوية تعارض مع مقاصد الشريعة؛ بل إن صون النفس المعصومة، والوفاء بالعهود، وحفظ الحقوق من أوضح مقتضياتها. وإذا كانت السنة قد شددت في حماية المعاهَد حتى قال النبي ﷺ: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة» (رواه البخاري)، فإن الاستدلال بهذا الحديث لا يعني ردّ المواطن المسيحي إلى وصف المعاهَد أو المستأمن، وإنما الاستشهاد بحرمة الاعتداء التي قررتها الشريعة حتى في العلاقات القائمة على العهود التاريخية. أما في الدولة الوطنية المعاصرة، فالمواطنة رابطة دستورية وقانونية أصيلة تقتضي المساواة في الحقوق والحماية القانونية. ويؤكد القرآن هذا المعنى حين يجعل العدل واجبًا حتى في حال الخصومة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة:8).
إن الخطر لا يكمن في وجود التعدد الديني أو المذهبي؛ فالتعدد حقيقة إنسانية وتاريخية لا يجوز تحويلها إلى تهمة. وإنما يكمن في انتقال الخطاب من الاختلاف العقدي المشروع إلى التكفير المتعسف، ثم إلى التحريض التكفيري.
ولهذا فإن التصدي للغلو يقتضي ضبط الحدود بين ثلاث دوائر: الاختلاف العقدي والمذهبي المشروع الذي تكفله حرية الاعتقاد والتعبير؛ والتكفير المتعسف الذي يستوجب النقد العلمي والمساءلة الأخلاقية؛ والتحريض على العنف أو التمييز الذي قد يستوجب المسؤولية الجنائية متى استوفى أركان الجريمة وشروطها القانونية. ولا يكفي وصف قول بأنه تكفيري للحكم بتجريمه، كما لا يجوز الاحتماء بحرية التعبير لتبرير الدعوة إلى الاعتداء على الآخرين.
ومن هنا أدعو إلى مراجعة التشريعات القائمة وتطويرها، عند الحاجة، بما يضمن مساءلة مرتكبي التحريض التكفيري متى انطوى على تحريض على العنف أو التمييز المحظور قانونًا. ويقتضي ذلك تحديد الأفعال المجرّمة وأركانها تحديدًا دقيقًا، وعدم التوسع في التجريم لمجرد الاختلاف العقدي أو النقد المذهبي أو صدور حكم ديني لا يتضمن تحريضًا محظورًا.
فلا ينبغي أن يصبح القانون أداة لقمع البحث الديني، كما لا يجوز أن تتحول حرية التعبير إلى حصانة لمن يدعو إلى الاعتداء على الآخرين. ويجب أن تخضع المسؤولية الجنائية لمبدأ الشرعية، وأن يثبت السلوك المجرّم والقصد الجنائي وسائر العناصر التي يتطلبها القانون، مع ضمان قرينة البراءة والمحاكمة العادلة.
وتقع على المؤسسات الدينية والعلمية مسؤولية موازية، تتمثل في مواجهة التكفير المتعسف بالحجة العلمية، وضبط الفتوى، وتأهيل المتصدرين للخطاب الديني العام، ونشر أصول الاختلاف، وتعزيز الوعي بأن احترام حرمة النفس المعصومة وصيانة حقوق المخالف لا يستلزمان الموافقة على معتقده. كما تتحمل المنصات الرقمية مسؤولية الحد من انتشار المحتوى الذي يتضمن تحريضًا على العنف أو التمييز، وفق معايير واضحة تراعي حرية التعبير وحقوق المستخدمين.
أما السلطات القضائية والأمنية، فتقع عليها مسؤولية التحقيق في الجرائم الإرهابية وملاحقة مرتكبيها والمحرضين عليها وفق الأدلة والضمانات القانونية، بعيدًا عن الانتقائية أو إسناد المسؤولية الجماعية إلى مذهب أو تيار بسبب أفعال أفراد. فالمسؤولية الجنائية شخصية، ولا تثبت بمجرد الانتماء الفكري أو المذهبي، كما لا يجوز الخلط بين النقد العلمي للتكفير المتعسف وإثبات المسؤولية الجنائية عن التحريض على العنف أو عن جريمة إرهابية بعينها.
إن ما أثير بشأن الاعتداء على الكنيسة في الكرك يدعونا إلى الانتقال من الإدانة العابرة إلى مراجعة جادة لدور الخطاب الديني في حماية السلم الأهلي. وهذه المسؤولية لا تقتصر على تصحيح المفاهيم، بل تشمل بناء وعي فقهي يرفض احتكار النجاة، ويحسن فهم النصوص في سياقاتها، ويواجه التكفير المتعسف قبل أن يتحول إلى تحريض على العنف أو التمييز.
إن مواجهة التحريض التكفيري ضرورة شرعية وقانونية وأخلاقية؛ فليس من حق أحد أن يحوّل اجتهاده إلى حكم على مصائر الناس، أو أن يجعل اختلاف العقيدة مسوغًا لاستباحة النفس المعصومة. والدولة التي تكفل المواطنة المتساوية، والمؤسسات العلمية التي تصون الدين من الغلو، والمجتمع الذي يرفض التحريض على العنف والتمييز، إنما يؤسسون معًا لسلم أهلي يقوم على سيادة القانون والعدل وكرامة الإنسان.