لندن: محمد الطّورة
لم تكن مسيرتي الوظيفية بين وزارة الداخلية ووزارة الخارجية مجرد انتقال من مؤسسة حكومية إلى أخرى، بل كانت رحلة غنية بالتجارب والخبرات الإنسانية والوطنية، أسهمت في تشكيل شخصيتي، وتوسيع آفاق معرفتي، وتعميق إحساسي بالمسؤولية تجاه وطني وأبنائه، سواء داخل حدود المملكة الأردنية الهاشمية أم خارجها.
لقد أتاح لي عملي في وزارة الداخلية فرصة الاقتراب من المواطن الأردني في حياته اليومية، والتعرف إلى احتياجاته وقضاياه وتطلعاته، والاطلاع على مختلف الجوانب التي تمس حياته وعلاقته بمؤسسات الدولة. ومن خلال هذه التجربة، أدركت أن العمل العام ليس مجرد تطبيق للأنظمة والتعليمات أو إنجاز للمعاملات، بل هو مسؤولية إنسانية ووطنية تقوم على خدمة المواطن، والاستماع إليه، وتفهم ظروفه، والعمل على تلبية احتياجاته ضمن الأطر القانونية والإدارية المعتمدة.
كانت هذه المرحلة مدرسة حقيقية في فهم المجتمع الأردني بتنوعه، والتعرف إلى طبيعة العلاقات بين المواطن ومؤسسات الدولة، وما تتطلبه الخدمة العامة من صبر وحكمة وعدالة وحسن تعامل. كما رسخت لديّ قناعة بأن قيمة الوظيفة العامة لا تقاس بالموقع أو المنصب الذي يشغله الإنسان، بل بمقدار ما يقدمه من خدمة، وما يتركه من أثر طيب في نفوس الناس.
أما تجربتي في وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، فقد نقلتني إلى مساحة مختلفة من العمل الوطني والإنساني؛ إذ أتاحت لي فرصة التعرف إلى أحوال الجاليات الأردنية في الخارج، من خلال عملي في السفارتين الأردنيتين في لندن وواشنطن والاقتراب من حياة أبناء الوطن الذين اختاروا أو اقتضت ظروفهم أن يعيشوا بعيدًا عن أرضه وأهلهم. وهناك، تتجلى أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات الدبلوماسية من سفارات وقنصليات في رعاية المواطنين الأردنيين، ومتابعة شؤونهم، وتقديم المساعدة الممكنة لهم، والوقوف إلى جانبهم في مختلف الظروف التي قد يواجهونها في بلاد الغربة.
لقد علمتني هذه التجربة أن الغربة ليست مجرد مسافة تفصل الإنسان عن وطنه، بل قد تكون ظروفًا وتحديات ومسؤوليات تجعل الحاجة إلى الدعم والمساندة أكبر. ومن هنا، اكتسبت خدمة الأردنيين في الخارج معنى خاصًا؛ فحين يجد المواطن من يستمع إليه، ويتابع قضيته، ويساعده على تجاوز ما يواجهه من صعوبات، فإنه يشعر بأن وطنه حاضر إلى جانبه، وأن انتماءه إليه لا تحدّه المسافات ولا تقيده الحدود.
كما أتاحت لي هذه المرحلة التعرف إلى تنوع التجارب الإنسانية والثقافية والاجتماعية التي يعيشها الأردنيون في بلدان الاغتراب، وإلى ما يبذلونه من جهود في بناء حياتهم والمحافظة على ارتباطهم بوطنهم وأسرهم. وقد عزز ذلك لديّ الإيمان بأهمية التواصل المستمر مع أخواني وأخواتي أبناء الجاليات الأردنية، والاهتمام بقضاياهم، وتقدير دورهم في تمثيل الأردن، والمحافظة على صورته الطيبة، وتعزيز روابطهم بوطنهم الأم.
وإذا كانت وزارة الداخلية قد قربتني من المواطن الأردني داخل وطنه، فإن وزارة الخارجية قد منحتني فرصة الاقتراب منه خارج الوطن. وبين التجربتين، تكاملت لديّ صورة المسؤولية الوطنية؛ فالمواطن الذي نخدمه داخل الأردن هو ذاته المواطن الذي يستحق الرعاية والاهتمام حين يكون بعيدًا عن أرضه. وقد اختلفت طبيعة المهام والظروف، لكن بقي الهدف واحدًا: خدمة الإنسان الأردني، وصون كرامته، والمساهمة في تيسير شؤونه، وتعزيز ثقته بمؤسسات وطنه.
ولعل من أهم الدروس التي خرجت بها من العمل في الوزارتين أن الوظيفة العامة رسالة قبل أن تكون مهنة، والعطاء الحقيقي لا يرتبط بمكان العمل بقدر ارتباطه بالإخلاص والضمير والشعور بالمسؤولية. فخدمة المواطن في وطنه وخدمته في بلاد الغربة وجهان لرسالة واحدة، أساسها الانتماء الصادق للأردن، والإيمان بأن الإنسان هو محور العمل العام وغايتُه الأساسية.
لقد أضافت كل مرحلة إلى خبرتي المهنية والإنسانية بُعدًا جديدًا؛ فتعلمت من العمل داخل الوطن أهمية فهم المجتمع واحتياجاته، ومن العمل خارجه أهمية التواصل والتعاطف والقدرة على التعامل مع اختلاف البيئات والظروف. كما أدركت أن النجاح في العمل الحكومي لا يتحقق بالخبرة الإدارية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى الحكمة، وسعة الصدر، وحسن الإصغاء، واحترام كرامة الإنسان، والحرص على أن تكون الإجراءات وسيلة لخدمته لا غاية في حد ذاتها.
وما زلت أرى أن أجمل ما يمكن أن يحققه الإنسان خلال مسيرته الوظيفية ليس عدد السنوات التي أمضاها في الخدمة، ولا المناصب التي شغلها، وإنما الأثر الذي تركه في حياة الآخرين، والمواقف التي استطاع فيها أن يخفف عن إنسان، أو يساعد محتاجًا، أو ييسر أمرًا، أو يعيد إلى شخص شعوره بالاطمئنان إلى أن هناك من يهتم بقضيته.
وفي المحصلة، أعتز بأن مسيرتي بين وزارة الداخلية ووزارة الخارجية قد منحتني فرصة خدمة الأردن وأبنائه من موقعين متكاملين؛ أحدهما داخل الوطن، حيث تتجسد المسؤولية في خدمة المواطن ومتابعة شؤونه، والآخر خارجه، حيث تتجسد في التواصل مع الأردنيين في بلاد الغربة وتعزيز صلتهم بوطنهم. وستبقى هذه التجارب جزءًا أصيلًا من هويتي المهنية والإنسانية، ومصدر اعتزاز بما تعلمته خلالها من معانٍ سامية في الانتماء والعطاء والمسؤولية.
فالأوطان لا تُخدم من داخل حدودها فحسب، بل تُخدم أيضًا برعاية أبنائها أينما كانوا، وبالوقوف إلى جانبهم حين يحتاجون إلى العون، وبترسيخ شعورهم الدائم بأن الأردن، قيادةً ومؤسساتٍ وشعبًا، يبقى وطنهم وملاذهم وموطن انتمائهم. حفظ الله الوطن العزيز وقيادته الهاشمية المظفرة