العموم نيوز – لندن
منار الدباس: احترام القانون الدولي الإنساني أولوية سياسية يجب أن تُترجم إلى واقع
لقاء السفير الأردني في لندن منار الدباس مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر يعكس توجهاً دبلوماسياً يجعل حماية الإنسان والالتزام بالقانون الدولي الإنساني في صلب العلاقات الدولية
هذا اللقاء تأكيد على أن قوة الدبلوماسية اليوم لا تُقاس بما تحققه من تفاهمات سياسية واتفاقيات تعاون فحسب، بل بقدرتها أيضاً على تحويل المواقف إلى مبادرات إنسانية، وبناء شراكات دولية تسهم في حماية الإنسان وصون كرامته، خصوصاً في أوقات الحروب والأزمات. ومن هذا المنطلق، تكتسب التحركات الأردنية في المجال الإنساني أهمية تتجاوز حدود الإغاثة المباشرة، لتصبح جزءاً من حضور المملكة السياسي والدبلوماسي ورسالتها في العالم.
وفي هذا السياق، يبرز اللقاء الذي أجراه السفير منار الدباس مع فرانسوا موريلون، رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في المملكة المتحدة وإيرلندا، بوصفه أكثر من لقاء بروتوكولي لتقديم التهنئة بتوليه منصبه الجديد. فقد تناول اللقاء المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني، والمؤتمر رفيع المستوى الذي تستضيفه المملكة الأردنية الهاشمية تحت عنوان «صوت الإنسانية في الحرب»، بالشراكة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وعدد من الدول الصديقة، هي البرازيل والصين وفرنسا وكازاخستان وجنوب أفريقيا.
وتحمل هذه الموضوعات دلالة واضحة على أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الدبلوماسية الأردنية في نقل القضايا الإنسانية إلى صدارة النقاش الدولي، والعمل على حشد الإرادة السياسية لاحترام القانون الدولي الإنساني، لا باعتباره مجموعة من القواعد القانونية المجردة، بل إطاراً عملياً لحماية المدنيين والجرحى والعاملين في المجال الطبي والإغاثي، وضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين في النزاعات المسلحة.
الأردن في غزة والضفة الغربية: حين تتحول المواقف إلى فعل إنساني
لعل التجربة الأردنية خلال حرب غزة تقدم أوضح الأمثلة على هذا التلاقي بين الموقف السياسي والعمل الإنساني. فمنذ اندلاع الحرب، لم يقتصر التحرك الأردني على الدعوات السياسية لوقف الحرب وتوفير الحماية للمدنيين، بل امتد إلى مسارات ميدانية وطبية وإغاثية، شملت المستشفيات الميدانية في شمال قطاع غزة وجنوبه، وإرسال مستشفى ميداني إلى نابلس في الضفة الغربية، إلى جانب محطات جراحية ومبادرات طبية وإغاثية أخرى.
وقد عكست هذه الجهود، التي نُفذت بتوجيهات ملكية وبمشاركة القوات المسلحة الأردنية والخدمات الطبية الملكية، إصرار المملكة على إبقاء الاستجابة الإنسانية حاضرة حتى في أكثر الظروف تعقيداً. فالمستشفى الميداني لا يمثل مجرد منشأة طبية مؤقتة، بل رسالة عملية بأن التضامن لا يكتمل بالتصريحات وحدها، وأن حماية الحياة تظل واجباً لا يجوز أن يتراجع أمام الحسابات السياسية.
وتكتسب تجربة المستشفى الأردني في نابلس أهمية إضافية، لأنها تُظهر امتداد الاستجابة الإنسانية الأردنية إلى الضفة الغربية أيضاً، بما يعكس شمولية الموقف الأردني تجاه احتياجات الفلسطينيين الصحية والإنسانية. فالمبادرة هنا لا تقتصر على الاستجابة الطارئة لحالة بعينها، بل تتصل باستمرارية تقديم الرعاية الطبية وتعزيز قدرة المجتمعات المتضررة على الصمود.
ومن هنا، فإن المبادرات الأردنية في فلسطين وغيرها من دول العالم التي عملت فيها القوات المسلحة الادنية ضمن قوات حفظ السلام الدولية تمثل نموذجاً للدبلوماسية التي تستمد مصداقيتها من التقاء الخطاب بالفعل: موقف سياسي واضح، واستجابة إنسانية ملموسة، وشراكات تستهدف توسيع نطاق الحماية والإغاثة.
زيارة الملك إلى ماليزيا وأستراليا: الشراكات الدولية بامتداد إنساني
ويتزامن هذا الحضور الإنساني مع الزيارة الملكية إلى ماليزيا وأستراليا، بما تتيحه من فرص لتعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة.
فالزيارات الملكية ليست محصورة في تعزيز العلاقات السياسية أو توسيع التبادل التجاري والتعاون الأمني، بل يمكن أن تشكل أيضاً مساحة لشرح المواقف الأردنية من الأزمات الإنسانية، وبناء تفاهمات أوسع حول حماية المدنيين، ودعم الاستجابة الإغاثية، واحترام القانون الدولي، والعمل من أجل السلام والاستقرار.
وتزداد أهمية هذا المسار في ضوء استمرار معاناة الفلسطينيين في غزة، وما تفرضه الأوضاع الإنسانية من حاجة إلى تحرك دولي يتجاوز التعبير عن القلق إلى خطوات عملية. كما أن توسيع العلاقات الأردنية مع دول آسيوية ومحيطية مؤثرة يفتح المجال أمام تعزيز الحوار حول المسؤولية المشتركة في التعامل مع الأزمات، وتوسيع دائرة الدول الداعمة للجهود الإنسانية.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة التحرك الأردني على مسارين متكاملين: مسار سياسي يقوده جلالة الملك من خلال الاتصالات والزيارات وبناء الشراكات، ومسار دبلوماسي ومؤسسي يعمل على ترجمة هذه الرؤية إلى مبادرات وحوارات وتعاون عملي. ولا ينفصل المساران عن الجهد الإنساني الميداني، بل يستمد كل منهما قوته من الآخر.
السفير بوصفه ممثلاً لرسالة إنسانية
من هنا، تبرز دلالة لقاء السفير منار الدباس مع رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لندن. فالعمل مع مؤسسة دولية تتمحور مهمتها حول حماية ضحايا النزاعات وتعزيز احترام القانون الدولي الإنساني يفتح مجالاً للدبلوماسية كي تتجاوز حدود العلاقات الرسمية التقليدية، وتتفاعل بصورة مباشرة مع القضايا التي تمس حياة الإنسان وكرامته.
ويمكن النظر إلى هذا اللقاء باعتباره تعبيراً عن مفهوم أوسع للدور الدبلوماسي؛ دور لا يكتفي بإدارة العلاقات السياسية وتمثيل الدولة في المحافل الرسمية، بل يسعى أيضاً إلى بناء جسور مع المؤسسات الإنسانية، وتطوير الشراكات ذات الأثر الملموس، وإبقاء القضايا الإنسانية حاضرة في النقاشات السياسية الدولية.
وهنا تكمن أهمية الدبلوماسية الإنسانية: فهي لا تحل محل الدبلوماسية السياسية، وإنما توسع أدواتها وغاياتها. فالعلاقات السياسية تمنح الدول فرص الحوار والتأثير، فيما يتيح التعاون الإنساني توجيه هذه الفرص نحو حماية الفئات الأكثر تضرراً، وتعزيز احترام القواعد الدولية، وحشد الدعم للاستجابة للأزمات.
ومن هذا المنظور، فإن اهتمام السفير الدباس بهذه الملفات ينسجم مع قراءة للدور الدبلوماسي الأردني تجعل البعد الإنساني جزءاً أصيلاً من مسؤولية الممثل الدبلوماسي، لا نشاطاً جانبياً منفصلاً عن مهامه الأساسية.
«صوت الإنسانية في الحرب»: من الالتزام السياسي إلى التطبيق
أما المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني، والمؤتمر رفيع المستوى «صوت الإنسانية في الحرب»، فيمثلان فرصة لتأكيد أن مصداقية النظام الدولي لا تُختبر في صياغة المبادئ وحدها، وإنما في مدى احترامها عندما تكون حياة البشر وكرامتهم على المحك.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في غياب القواعد القانونية، بقدر ما يكمن في ضمان تطبيقها، ومحاسبة الانتهاكات وفق الأطر القانونية المعتمدة، وحماية العاملين في المجال الإنساني والطبي، وتسهيل وصول المساعدات إلى المدنيين المحتاجين.
والأردن، بما راكمه من تجربة في الاستجابة الإنسانية، وبما يضطلع به من دور سياسي في الدفاع عن القضية الفلسطينية والدعوة إلى حماية المدنيين، يمتلك مساحة مهمة للإسهام في هذا النقاش الدولي، وتعزيز الجسور بين المواقف السياسية والاحتياجات الإنسانية الفعلية.
إن الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذا الحراك هي أن الدبلوماسية الأردنية لا تنظر إلى العمل الإنساني باعتباره مجرد استجابة للأزمات، بل باعتباره مكوناً من مكونات حضور الدولة ومسؤوليتها الدولية. ومن المستشفيات الميدانية في غزة ونابلس، إلى الشراكات مع المؤسسات الإنسانية الدولية، والاتصالات السياسية والتحركات الملكية، تتشكل صورة لدبلوماسية تسعى إلى الجمع بين الموقف والفعل، وبين السياسة وكرامة الإنسان.
وفي عالم تتزايد فيه النزاعات وتتسع فيه الفجوة بين الالتزامات الدولية وتطبيقها، تظل العبارة التي تختصر هذه الرؤية واضحة: احترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني أولوية سياسية يجب أن تُترجم إلى واقع.