الجمعة 9 أكتوبر 2026..على هامش الإفراج عن المزارعة الأردنية السمراء نبيلة الحشوش امس الخميس)
ثمة حكايات لا تُكتب بالحبر وحده، ولا تكفي الكلمات، مهما اتسعت، لتروي تفاصيلها كاملة. حكايات تسكن الأرض، وتنام في ظلال الأشجار، وتستيقظ مع أول خيط من ضوء الصباح، حين يخرج رجال ونساء إلى حقولهم، كأنهم يذهبون إلى موعد قديم مع الحياة.
إنهم حُرّاس الأرض؛ أولئك الذين لا يحملون مفاتيح البيوت فحسب، بل يحملون ذاكرة المكان، وأسماء الذين مرّوا من هنا، وحكايات الآباء والأجداد، ورائحة الخبز الذي كان يخرج من التنور، وصوت الماء وهو يشق طريقه بين الحجارة.
حُرّاس الأرض ليسوا بالضرورة أصحاب البنادق أو الرجال الذين يقفون عند الحدود. قد يكونون فلاحاً عجوزاً يتكئ على عصاه، ويمسح بيده جذع زيتونة زرعها يوم كان شاباً، ثم يقول لحفيده: هذه الشجرة أكبر من عمرك، لكنها ستبقى لك حين أكبر أنا وأرحل. وقد تكون امرأة تفتح باب بيتها القديم كل صباح، تكنس عتبته، وتعيد ترتيب أوانيه، كأنها تخشى أن يضيع البيت إذا غاب عنه صوت الحياة.
وقد يكون حارس الأرض طفلاً صغيراً يركض خلف دجاجة في ساحة الدار، أو فتاة تحمل سلة زعتر من سفح الجبل، ولا تعرف بعد أن خطواتها الصغيرة تكتب على التراب معنى الانتماء.
الأرض، في حكاية هؤلاء، ليست مساحة تُقاس بالدونمات، ولا رقماً في سجل عقاري، ولا حدوداً مرسومة على خرائط تتغير ألوانها كلما تغيرت المصالح. الأرض وطن صغير داخل الوطن الكبير؛ فيها قبور الأحبة، وأشجار العائلة، وبئر الماء، والحجر الذي كان الأب يجلس عليه عند المغيب، والنافذة التي كانت الأم تنتظر منها عودة أبنائها.
لهذا لا يستطيع حارس الأرض أن يتعامل معها بوصفها شيئاً قابلاً للاستبدال. فالأرض التي عاش عليها أجداده ليست مجرد ملكية، بل سيرة كاملة من التعب والصبر والانتظار. كل شجرة فيها شهادة، وكل حجر يحمل أثراً من يد، وكل طريق ترابي يعرف أسماء الذين عبروا عليه حفاة أو متعبين أو عائدين من حقولهم.
وحين نقول حُرّاس الأرض، فإننا نستعيد حكاية الإنسان الذي يعرف أن البقاء ليس موقفاً عابراً، بل مسؤولية يومية. أن يزرع حين يقل المطر، وأن يصلح السور حين تهدمه الريح، وأن يعود إلى حقله رغم التعب، وأن يورّث أبناءه حب المكان قبل أن يورّثهم مفاتيح أبوابه.
في القرى البعيدة، حيث تتكئ البيوت على أكتاف الجبال، تبدو الحكاية أكثر وضوحاً. هناك، لا يحتاج الإنسان إلى خطب طويلة ليثبت انتماءه. يكفي أن تراه يخرج مع الفجر، يحمل معوله، ويشق طريقه إلى الأرض التي يعرف تضاريسها كما يعرف خطوط وجهه. يعرف أين تتجمع مياه الشتاء، وأي شجرة تحتاج إلى تقليم، وأي زاوية من الحقل تسبق غيرها في استقبال الشمس.
إنها معرفة لا تُدرّس في المدارس وحدها، بل تتناقلها الأيدي والعيون، وتتعلمها الأجيال من المشاهدة والمعايشة. معرفة تقول إن الأرض ليست ما نأخذه منها فقط، بل ما نمنحه لها أيضاً؛ من عرقنا، ووقتنا، ورعايتنا، وقدرتنا على حمايتها من الإهمال والنسيان.
لكن حكاية حُرّاس الأرض ليست رومانسية خالصة. ففيها وجع الفقد، وقلق المستقبل، وأسئلة العدالة، وخوف الإنسان من أن يستيقظ ذات يوم فلا يجد المكان الذي عرفه طوال حياته كما تركه. فيها حكاية الفلاح الذي يواجه قلة المياه وارتفاع كلفة الزراعة، والشاب الذي يحب أرض أبيه لكنه يبحث عن فرصة عمل بعيداً عنها، والعائلة التي تخشى أن تتحول الحقول إلى مساحات مهجورة لأن أصحابها لم يعودوا قادرين على تحمل أعبائها.
ولا نحتاج إلى مزيد من الخطب في السياسة كي نفهم معنى الأرض، ولا إلى بيانات طويلة كي ندرك معنى الإنسان. نحتاج، أحياناً، إلى حطب يدفئ الأطفال العابرين في ليالي البرد، وإلى رغيف يسد جوع طفل، ومعطف يقي جسداً صغيراً من قسوة الشتاء، ويد تمتد إلى من لا يملك شيئاً سوى ارتجافة يديه. فما قيمة الشعارات إذا ظلّ طفل يرتجف من البرد، فيما الكلمات تتدثر بالدفء خلف النوافذ المغلقة؟ وما جدوى الحديث عن الأوطان إذا لم نستطع أن نحمي إنساناً من قسوة الطريق؟
لعل حراسة الأرض تبدأ من هنا؛ من حماية الإنسان الذي يمشي عليها، ومن صون كرامته، ومن إدراك أن الانتماء ليس أغنية تُردد في المناسبات، بل مسؤولية تظهر حين يحتاج الآخرون إلينا. فالأرض التي لا تتسع لوجع أطفالها تفقد شيئاً من معناها، والوطن الذي لا يدفئ أبناءه لا تكفيه كل مواقد الكلام.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من يحرس حُرّاس الأرض؟
من يحمي الفلاح من العطش والخسارة؟ ومن يمنح أبناء القرى أسباب البقاء، حتى لا يضطروا إلى مغادرة حقولهم بحثاً عن حياة كريمة؟ ومن يصون الأشجار القديمة من الاقتلاع، والبيوت الريفية من النسيان، والذاكرة الشعبية من أن تتحول إلى صور معلقة على جدران المتاحف؟
لا يكفي أن نمدح الأرض في القصائد، ثم نترك الذين يعتنون بها وحدهم في مواجهة أعباء الحياة. ولا يكفي أن نتغنى بالزيتون في المواسم، إذا كان من يزرعه يعجز عن تأمين حاجاته الأساسية. فحب الأرض لا يكتمل بالكلام، بل يحتاج إلى سياسات عادلة، ودعم حقيقي للزراعة، وحماية للموروث الطبيعي، وفرص تمنح الأجيال الجديدة سبباً مقنعاً للبقاء.
إن حراسة الأرض مسؤولية تتجاوز الفرد إلى المجتمع والدولة. وهي أيضاً مسؤولية ثقافية، لأن الأرض التي نفقد ذاكرتها نفقد شيئاً من ذاكرتنا نحن. حين تختفي الحكايات من البيوت القديمة، وتُهمل أسماء الينابيع والوديان، وتغيب الأغنيات التي رافقت مواسم الحصاد، يصبح المكان أقل قدرة على تعريف أبنائه بأنفسهم.
ولعل أجمل ما في حكاية حُرّاس الأرض أن أبطالها لا ينتظرون التصفيق. إنهم يعملون بصمت، ويواصلون الحياة من دون ادعاء البطولة. يزرعون شجرة ولا يعرفون من سيجلس في ظلها بعد عشرين عاماً، ويبنون سوراً لا يسألون من سيعبر بجانبه، ويحفظون مفتاح البيت القديم لأنهم يؤمنون بأن الغياب لا ينبغي أن يكون نهاية الحكاية.
إنهم يشبهون جذور الزيتون؛ لا نراها دائماً، لكنها تمسك الشجرة في وجه الريح، وتمنحها القدرة على أن تعود خضراء بعد مواسم الجفاف.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات، وتزداد فيه المسافات بين الإنسان ومكانه الأول، ربما نحتاج إلى أن نعيد اكتشاف هؤلاء الذين لا يزالون يربطون حياتهم بالأرض، لا باعتبارها ماضياً جميلاً فحسب، بل مستقبلاً يستحق أن يُصان.
نحتاج إلى أن نصغي إلى حكاياتهم قبل أن تخفت أصواتهم، وأن نحفظ أسماءهم قبل أن تتحول إلى صور قديمة، وأن نفهم أن الوطن لا يُبنى بالمباني وحدها، بل بالإنسان الذي يمنح المكان معناه، ويحرس تفاصيله، ويترك فيه أثراً لمن يأتي بعده.
في نهاية الحكاية، لا يبقى السؤال: كم شجرة زرع حارس الأرض؟ ولا كم موسماً عاش في حقله؟ بل يبقى سؤال أكثر عمقاً: ماذا سيجد أبناؤنا حين يعودون إلى المكان الذي خرجنا منه؟
هل سيجدون زيتونة ما زالت تمد أغصانها في الهواء، وبيتاً يعرف أصوات أهله، وبئراً لم تجف مياهه، وطريقاً ما زال يحتفظ بآثار الأقدام؟ أم سيجدون أرضاً جميلة في الصور، بعيدة في الذاكرة، لا يعرفون عنها إلا ما سمعوه من حكايات الآباء؟
حُرّاس الأرض لا يحرسون التراب وحده؛ إنهم يحرسون معنى البقاء، وحق الذاكرة في الاستمرار، وحق الأجيال في أن تعرف من أين جاءت، وأي حكاية ينبغي أن تحملها معها إلى المستقبل.
تلك هي حكايتهم؛ حكاية الذين يزرعون اليوم كي لا يجوع الغد، ويحفظون المكان كي لا يصبح الوطن غريباً عن أبنائه.
وحين يرحل آخر حارس عن أرضه، لا تفقد الأرض يداً تعمل فيها فحسب، بل تفقد صوتاً كان يعرف أسماء أشجارها، وذاكرة كانت تحفظ حكاياتها، وقلباً ظلّ يقول، بصمت يشبه الصلاة:
ما دامت في الأرض جذور، فثمة حكاية تستحق أن تستمر..ثمة أرض تسكن فينا.