لندن: كتب محمد الطّورة
“لقد خُدِعنا”… حين تصبح الكلمة شهادةً على زمنٍ كامل وتتحول الكلمات إلى أسئلة تتجاوز قائلها
ليست كل العبارات التي تُقال في اللقاءات العابرة تستحق الوقوف عندها طويلًا، وليست كل الكلمات التي تمرّ على أسماع الناس تترك الأثر ذاته. فثمة كلمات تكتسب وزنها من قائلها، وتستمدّ دلالتها من تاريخه وموقعه وتجربته، وتتحوّل، في لحظة النطق بها، من مجرد تعبير لغوي إلى مدخل واسع للتأويل والمساءلة. ولعلّ عبارة «لقد خُدِعنا»، حين تصدر عن قامة أكاديمية وثقافية بحجم معالي الأستاذ الدكتور خالد الكركي، تنتمي إلى هذا النوع من العبارات التي لا يجوز المرور عليها مرورًا عابرًا.
فلو صدرت هذه العبارة عن شخص لا يحمل من التجربة العامة ما يحمله الدكتور الكركي، لربما استقبلها الناس بوصفها تعبيرًا عن خيبة فردية، أو انفعالًا عابرًا، أو موقفًا شخصيًا تحكمه ظروف صاحبه. أما حين تصدر عن رجل خبر مواقع المسؤولية في الدولة الأردنية، وتقلّد مناصب عليا، واشتغل باللغة والفكر والثقافة، وعاش قريبًا من تفاصيل الحياة العامة وتحولاتها، فإن وقعها يصبح مختلفًا، وتغدو الأسئلة التي تثيرها أكبر من حدود الكلمات التي تتألف منها.
فالدكتور خالد الكركي ليس مجرد أستاذ جامعي أو أديب يراقب المشهد من بعيد؛ إنه رجل تداخلت في تجربته الثقافة مع المسؤولية، والفكر مع الممارسة، والاشتغال باللغة مع الانشغال بمصير الإنسان والوطن. ولذلك، حين تصدر عنه عبارة من قبيل «لقد خُدِعنا»، فإنها تستدعي بطبيعتها سؤالًا يتجاوز المعنى المباشر للكلمات إلى التجربة التي تقف خلفها، والآمال التي حملتها، والنتائج التي انتهت إليها.
وقد ارتبطت العبارة، في بعض النصوص المتداولة والمنسوبة إليه، بحديث أوسع يتناول الديمقراطية والحرية والعدالة والتعليم والإنتاج، وما يتصل بهذه المفاهيم من آمال وتطلعات وطنية. وإذا صحّ هذا السياق، فإننا لا نكون أمام خيبة تتعلق بجانب واحد من الحياة العامة، بل أمام تساؤل أوسع عن المسافة بين المبادئ التي آمنّا بها والواقع الذي انتهينا إليه. ومع ذلك، فإن عدم التحقق من التسجيل الأصلي ومناسبته الكاملة يقتضي ألّا نجزم بأن هذا هو السياق الذي قيلت فيه العبارة تحديدًا، أو أن نحصر دلالتها في مجال بعينه.
وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية التي تستحق التأمل: ماذا يقصد رجل بهذه الخبرة حين يقول «لقد خُدِعنا»؟ ومن الذي خُدِع؟ وفي أي شيء؟ وهل نحن أمام اعتراف بخيبة أمل، أم مراجعة لتقديرات سابقة، أم تعبير عن فجوة بين ما كان يُؤمَل وما آل إليه الواقع؟
إن أهمية العبارة لا تكمن في قسوتها وحدها، بل في المسافة الفاصلة بين بساطة ألفاظها واتساع احتمالاتها. فكلمة «الخديعة» ليست مرادفًا عابرًا للخطأ، ولا هي مجرد اسم آخر لخيبة الأمل؛ إنها توحي بأن صورةً ما قد ترسخت في الأذهان، ثم جاء الواقع ليكشف عن اختلافها عما كان يُعتقد. وقد تكون الخديعة في أشخاص، أو في وعود، أو في شعارات، أو في تصورات حملها المرء عن مرحلة كاملة، ثم اكتشف أن ما تحقق لم يكن مطابقًا لما انتظره أو آمن بإمكان تحققه.
لكن السؤال الذي يظل معلّقًا، وربما يكون أكثر الأسئلة إلحاحًا، هو: مَن خدعنا؟ أكانوا أشخاصًا أحسنّا الظن بهم، أم وعودًا صدّقناها، أم شعارات حملناها على محمل الحقيقة، أم أفكارًا آمنّا بها طويلًا قبل أن نكتشف المسافة بينها وبين الواقع؟ وهل كانت الخديعة فعلًا متعمّدًا من آخرين، أم أننا أسأنا قراءة الوقائع، ومنحنا الأمل أكثر مما يحتمل، وصدّقنا ما تمنّينا أن يكون صحيحًا؟
إن السؤال عن الخديعة لا يكتمل بالسؤال عن فاعلها وحده، بل يقتضي أن نسأل أيضًا: فيمَ خُدِعنا أصلًا؟ أفي الوعود التي قُطعت ولم تتحقق؟ أم في الشعارات التي رفعت قيمًا كبرى ثم عجزت عن تحويلها إلى واقع؟ أم في الاعتقاد بأن الديمقراطية، بمجرد إعلانها، تكفي لإقامة العدالة؟ أم في الظن أن الحرية يمكن أن تستقيم من دون مسؤولية، وأن المعرفة يمكن أن تبني مجتمعًا من دون أن تتحول إلى إنتاج وعمل، وأن التعليم يستطيع النهوض بالإنسان إذا انفصل عن حاجاته الحقيقية وقيمه الراسخة؟
إن هذه الأسئلة تضعنا أمام علاقة معقدة بين المبادئ والواقع. فالديمقراطية ليست كلمة تُرفع في المناسبات، بل ممارسة تقوم على المشاركة والمساءلة واحترام القانون. والحرية ليست مجرد قدرة على الكلام، بل مساحة للكرامة والمسؤولية. والعدالة ليست شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل معيار يُختبر به أداء المؤسسات والقرارات. أما التعليم والإنتاج، فهما من الشروط التي تمكّن المجتمع من تحويل طموحاته إلى واقع ملموس.
وحين تجتمع هذه المفاهيم في سياق واحد، فإنها تضعنا أمام سؤال أكبر من حدود الخديعة الفردية: ما المسافة التي تفصل بين ما نؤمن به وما نعيشه؟ وبين ما نعلنه من قيم وما ننجزه على الأرض؟ وهل تكمن الخيبة في المبادئ ذاتها، أم في الطريقة التي فهمناها وطبّقناها، أم في الفجوة التي اتسعت بين الوعود والنتائج؟
ولعلّ ما يمنح العبارة ثقلها الحقيقي أن صاحبها ليس بعيدًا عن المشهد الذي يتحدث عنه الإنسان العادي من خارجه؛ فهو رجل عرف العمل العام، وعايش مؤسسات الدولة، وتقلّد مواقع مسؤولية، واشتغل باللغة والفكر والثقافة. وهذه الخبرة، على اختلاف الآراء في تقدير نتائجها، تجعل كلماته موضع اهتمام مضاعف؛ إذ إن حديث صاحب التجربة عن الخديعة يثير سؤالًا عن طبيعة التجربة ذاتها، وعن اللحظة التي يتراجع فيها اليقين، وعن الأسباب التي تجعل المرء يعيد النظر فيما كان يراه صحيحًا أو ممكنًا.
لكن هل تعني الخبرة أن صاحبها لا يخطئ في التقدير؟ بالطبع لا. فالخبرة لا تعصم الإنسان من الخطأ، لكنها تمنح مراجعاته أهمية خاصة، لأنها تتيح النظر إلى المسافة بين التوقع والنتيجة من موقع من عايش التجربة، لا من موقع من اكتفى بمراقبتها. وحين يقول رجل بمكانة الدكتور الكركي «لقد خُدِعنا»، فإن العبارة تفتح بابًا مشروعًا للسؤال عن طبيعة تلك المسافة: هل كانت في قراءة الوقائع؟ أم في الثقة بالأشخاص؟ أم في الإيمان بوعود لم تتحقق؟ أم في الرهان على مسارات ظُنّ أنها تقود إلى نتائج مختلفة؟
ولعلّ أكثر ما يستحق الانتباه في العبارة هو أنها جاءت بصيغة الجمع: «خُدِعنا»، لا بصيغة المفرد. وهذا الاختيار يوسّع دائرة السؤال، ويجعلنا نتساءل عن الجماعة التي يشملها الضمير: أهي جماعة من أصحاب تجربة مشتركة؟ أم جيل حمل آمالًا وتصورات معينة؟ أم مجتمع وجد نفسه أمام واقع لا يشبه ما انتظره؟ لا نستطيع حسم ذلك من الصيغة اللغوية وحدها، لكن الجمع يمنح العبارة بُعدًا يتجاوز الاعتراف الشخصي، ويجعلها أقرب إلى مراجعة تجربة مشتركة أو التعبير عن شعور يتخطى صاحبه.
ومع ذلك، فإن التسرّع في منح العبارة تفسيرًا واحدًا قد يكون ظلمًا للكلمة وقائلها معًا. فليس من الإنصاف أن نضع على لسان الدكتور الكركي ما لم يقله، ولا أن نحمل عبارته أكثر مما يحتمل سياقها، ولا أن نحولها إلى حكم نهائي على الديمقراطية أو التعليم أو الحياة السياسية من دون التحقق من المناسبة التي قيلت فيها. المطلوب أن نقرأها بعناية، وأن نبحث عن سياقها، وأن نميّز بين المعنى الذي تثبته الوقائع والمعاني التي تفتح الباب أمامها.
إن أخطر ما في مثل هذه العبارات ليس أن نتعامل معها بوصفها أحكامًا نهائية على الماضي، بل أن نكتفي بتداولها من دون أن نسأل عن مضمونها. فالكلمات الكبيرة لا تكتسب قيمتها من انتشارها وحده، وإنما من قدرتها على إيقاظ الأسئلة المؤجلة. وقد تكون قيمة هذه العبارة في أنها تدفعنا إلى مراجعة ما اعتقدناه، وإلى مساءلة الفارق بين الوعود والنتائج، وبين التصورات التي نحملها عن الواقع والواقع كما ينكشف لنا بعد التجربة.
وهنا تظهر مسؤولية المتلقي أيضًا. فمكانة المتحدث لا ينبغي أن تحوّل كلامه إلى حقيقة مكتملة لا تقبل النقاش، كما أن الاختلاف معه لا يبرر إهدار دلالة ما يقول. بين التقديس والتجاهل مساحة أوسع وأكثر نضجًا، قوامها الإصغاء والتحليل، والتمييز بين العبارة وسياقها، وبين ما تثبته الكلمات فعلًا وما قد نرغب نحن في تحميلها إياه.
وفي النهاية، ليس المهم أن نختلف حول العبارة أو نتفق معها قبل أن نفهمها؛ المهم ألّا نختزلها في انفعال، وألّا نحولها إلى شعار يُستهلك في التداول اليومي، وألّا نستعجل بناء الأحكام على جملة لم يتضح لنا سياقها الكامل. فحين يتحدث رجل بحجم تجربة الدكتور خالد الكركي، تصبح الحاجة إلى الإصغاء الدقيق أكبر، لا لأن مكانته تمنح كلامه حصانة من النقد، بل لأن تجربته تجعل مساءلته وفهم مقاصده أمرًا يستحق العناية.
لقد خُدِعنا… ومَن خدعنا؟ أكانوا أشخاصًا أحسنّا الظن بهم، أم وعودًا صدّقناها، أم شعارات آمنّا بها، أم أننا أخطأنا قراءة الواقع، وظننّا أن الطريق إلى الحرية والعدالة والمعرفة والإنتاج أقصر مما هو عليه في الحقيقة؟ ربما لا يبدأ الطريق إلى الإجابة بتحديد مَن نلوم، بل بالشجاعة التي نحتاج إليها كي نراجع ما آمنّا به، ونواجه ما تكشف لنا من حقائق، ونعترف بما أخطأنا في تقديره.
فليس المهم أن نعلن أننا خُدِعنا، بل أن نفهم كيف حدث ذلك، وما الذي جعلنا نصدّق، وما الذي كان ينبغي أن نراه ولم نره. وليس أخطر ما في الخديعة أن تقع مرة، بل أن تتكرر لأننا لم نتعلم من أسبابها.
لقد خُدِعنا… ومَن خدعنا؟ سؤال لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام بلا دليل، ولا أن ينتهي إلى خيبة بلا مراجعة؛ بل أن يكون بداية بحث جاد عن الحقيقة، وعن المسافة بين ما وُعِدنا به وما تحقق، وبين ما أردناه لأنفسنا وما استطعنا أن نبنيه بأيدينا.