تحولات الأحزاب البريطانية.. من صراع الداخل إلى إعادة رسم السياسة الخارجية
من متابعتي للمشهد السياسي البريطاني خلال الفترة الأخيرة، أرى أن التغيير لم يعد مقتصرًا على التنافس التقليدي بين الأحزاب أو الملفات الداخلية المتعلقة بالاقتصاد والهجرة والخدمات، بل امتد بصورة واضحة إلى السياسة الخارجية، وإلى الطريقة التي تنظر بها بريطانيا، ومعها قوى أوروبية مؤثرة، إلى الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية ومستقبل الاستقرار في المنطقة.
ولفهم حجم هذا التحول، يكفي أن نقارن لغة اليوم بما كان يقال قبل سنوات. فقد انتقلت بريطانيا تدريجيًا من لغة القلق وضبط النفس والدعوة إلى العودة للمفاوضات، إلى الاعتراف بدولة فلسطين، وتشديد الموقف من الاستيطان، واستخدام أدوات سياسية واقتصادية أكثر وضوحًا، مع إعادة حل الدولتين إلى صدارة الحديث عن مستقبل المنطقة.
واللافت أن التغيير لا يقتصر على الحكومة. فالخطابات الأخيرة داخل حزب العمال، والمواقف الأكثر حدة لدى حزب الخضر، تشير إلى أن القضية الفلسطينية أصبحت جزءًا من النقاش السياسي البريطاني حول دور المملكة المتحدة ومكانتها الدولية، ولم تعد مجرد ملف خارجي يعود إلى الواجهة عند اندلاع الأزمات.
ومن قراءتي الاستراتيجية لهذه المتغيرات، فإن المسألة تتجاوز غزة والحرب الحالية. نحن أمام مراجعة أوسع للطريقة التي تعاملت بها القوى الغربية مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لعقود. فسياسة إدارة الصراع واحتواء تداعياته أثبتت محدوديتها، لأن آثار كل جولة جديدة تمتد إلى أمن الشرق الأوسط والاقتصاد والطاقة والملاحة والهجرة والعلاقات الدولية.
وهنا يصبح التحول الأوروبي مهمًا بقدر التحول البريطاني. فالاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية، والمواقف الأكثر وضوحًا تجاه الاستيطان، والحديث عن حماية إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، مؤشرات على أن حل الدولتين يعود باعتباره جزءًا من البحث عن منظومة أمن واستقرار أكثر استدامة للمنطقة.
وفي قلب هذه التحولات تبرز أهمية التحركات الملكية الأردنية. فقد حمل جلالة الملك عبدالله الثاني على مدى سنوات إلى لندن وواشنطن والعواصم الأوروبية رسالة ثابتة: أمن الفلسطينيين والإسرائيليين مترابط، وغياب الأفق السياسي سيعيد إنتاج العنف، ولا يمكن بناء شرق أوسط مستقر دون حل عادل للقضية الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وما نشهده اليوم يؤكد أهمية الدبلوماسية الملكية الأردنية التي حافظت على هذه الرؤية حاضرة في أصعب المراحل.
وعندما نجمع هذه المؤشرات، تتضح ملامح تحول استراتيجي تدريجي في النظرة البريطانية والأوروبية إلى الشرق الأوسط، عنوانه أن استمرار الصراع لم يعد قابلًا للإدارة بالطريقة القديمة، وأن الاستقرار يتطلب معالجة جذور الأزمة وليس احتواء نتائجها فقط.
ولهذا أرى أن نهاية هذا الصراع الطويل أصبحت أقرب مما كانت عليه قبل سنوات. ليس لأن السلام سيأتي غدًا أو لأن العقبات اختفت، بل لأن القناعات داخل مواقع صناعة القرار بدأت تتغير، ومعها الأدوات السياسية.
ويبقى المؤشر القريب ما ستفرزه انتخابات الكنيست الإسرائيلي في السابع والعشرين من أكتوبر، وما إذا كانت السياسة الإسرائيلية المقبلة ستتقاطع مع هذه المتغيرات البريطانية والأوروبية أم ستسير في اتجاه معاكس.
ومن لندن، أرى أن الأيام والأسابيع القادمة ستوضح الكثير. فحين تصبح كلفة استمرار الصراع أكبر من كلفة إنهائه، لا يعود السلام مجرد أمنية، بل يصبح مصلحة وضرورة سياسية. وما نشهده اليوم قد يكون بداية انتقال حقيقي من إدارة الصراع إلى البحث الجدي عن نهايته.
حلمي الحراحشة
رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا
محلل سياسي – لندن